مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

سيولة

مع حلول يوم الصحافة، يبدو الاحتفاء التقليدي بالكلمة استهلاكاً لخطابٍ قديم لم يعد يواكب مآلات الواقع؛ فالمعضلة اليوم لم تعد في المَنْع بقدر ما هي في الإغراق.
لقد تساوت قيمة التحقيق الرصين بومضةٍ رقمية لا تدوم، وضاعت المرجعية المهنية في سيلٍ من البيانات التي تفتقد للأصل والمنطق.
ما نعيشه الآن هو تأميم غير معلن للوعي الجمعي؛ إذ انتقلت سلطة التوجيه من يد المحرر الحصيف إلى يد معادلات صماء، تمنح السيادة لمن يداعب الغرائز، وتكتم صوت من يخاطب العقل.
هذا التحول جرف معه وقار المهنة؛ فصار الخبر يُرمى قبل أن ينضج، وكأننا في سوقٍ لا يعترف إلا بالسرعة، حتى وإن كان الثمن هو الحقيقة ذاتها.
والأنكى، ارتهان العقل لبرودة الآلة هذا الذكاء الذي يصطنع الفكر ويُعلّب الآراء بلا روح أو فراسة ميدانية.
نحن أمام مشهدٍ يصطنع الوعي بدل أن يبنيه، ويفتقد لنبض الكاتب الذي خبر الواقع واستنطق تجاربه.
إن الاستقلال الصحفي اليوم يواجه ارتهاناً لنمط الاستهلاك السريع، الذي حوّل المؤسسات الرصينة إلى جزرٍ معزولة، بينما تُرِك الشارع نهباً لمن يجيد إثارة الجلبة لا لمن يملك الحجة.
في النهاية، سيهدأ هذا الغبار الرقمي، وتنكشف حقيقة أن الانتشار لم يكن يوماً دليلاً على الأمانة .
الصحافة التي تبقى هي التي ترفض دور الصدى، وتصر على دور المرجعية.
الرهان القادم ليس على من يسبق في النشر، بل على من يبقى صامداً كخيارٍ أخير للثقة في عالمٍ فقد يقينه. المسألة ببساطة: هل نحن نبني أثراً، أم نراكم أرقاماً؟

 

هويدا المرشود
‏@hofahsaid11111
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop