مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

شارع الأعشى: الدراما والذّاكرة الشعبية

هل كانت تعلم نورة الحوشان رحمها الله (1315-1350) أنّه في سنة ستة وأربعين وأربعمائة بعد الألف ستترنّم بطلتا عمل دراميّ سعوديّ بأبياتها الشهّيرة:
يا عين هِلِّي صَافي الدمـع هِلِّيـه وإلْيَا انتهى صافِيْه هَاتي سِرِيْبِـه
يرجّح محرّك بحث جوجل حجم المحتوى العربي الذي تناول مسلسل شارع الأعشى بـ بما يزيد على 21000 نتيجة، ما بين مقاطع مرئية ومسموعة ومقالات وغيرها. ولا أزعم بأنني قرأتُ كُلَّ ما كُتِب عن المسلسل، لكنني قرأت كل ما استطعت الحصول عليه من مقالات كُتِبَت عن المسلسل، ما بين من انتقدوه لأنه “لا يمثلنا”، ومن مدحوه لتفرّد الإخراج والسيناريو والإنتاج، وما بين من استرجعوا ذكريات تلك الحقبة. ووسط ذلك كله، أسلّط الضوء هنا على أربعة مشاهد حلّ عليها الشّعر ضيفًا: مشهد لقاء أم جزّاع بأم متعب ومشهد وداعهما، ومشهدين من لقاءات عزيزة وجزّاع، الذي كان يردد فيهما أبيات عبدالله بن سبيل رحمه الله (1272-1352) من مطلع قصيدته:
يالله يالي تسجد الناس لرضاه يا وامر خلقه على حج بيته
وظّف شارع الأعشى الذاكرة الشعبية، في قالب عمل دراميّ شاهدته أجيال الخمسينات وصولا لمواليد الألفية وما بعدها، فكم من أبنائنا وبناتنا من جيل المستقبل من ترنّم بأبيات نورة الحوشان وعبدالله بن سبيل رحمهما الله لأول مرة؟ وكم منهم بحثوا عنهما، وأضافوا لمخزونهم الثقافي جزءا من الذاكرة الشعبية؟ والطريف، أنّه وضمن بحثي عن محتوى سلّط الضوء علي المشاهد الأربعة أعلاه، وجدت أنّ عددًا من المستخدمين قد نشروا مقاطعًا عبر تطبيق تيك توك – المنصّة الأعلى استخدامًا بين شبابنا الفتي – لتلكم الأبيات! لمثل هذا تُصنَع الدراما، لترسيخ الذاكرة وحفظها ونقلها عبر الأجيال.
سألت صديقي شات جي بي تي عن الشعراء السعوديين الذين عاشوا ذات الحقبة الزمنية للحوشان وبن سبيل خارج المنطقة الوسطى، فزوّدني بقائمة متواضعة جدًّا، أفضّل أن لا أسردها هنا وأترك حصرها لذوي الاختصاص والمعرفة، لكنّ الشّاهد هنا: كم نحن بحاجة لأعمال دراميّة سعوديّة توثّق الذّاكرة الشّعبية في جميع المناطق، لتربط الأجيال الواعدة بموروثها الثقافي، ولنا في العديد من الأعمال الروائية السعودية مشاريع ثمينة. يقول محمد العقيل في تدوينة له عن مسلسل شارع الأعشى: “فالدراما الجيدة لا تريك نفسك في المرآة… بل تفتح لك نافذة”، فتح شارع الأعشى نافذة على الشّعر الذي نظمه أبناء هذا الوطن الغالي، وتناقلته الأجيال من بعدهم، وها أنا من خلال نافذة “إعلاميون” أكتب هذه المقالة علّها تجد صداها لدى صُنّاع الدراما.

 

د. غيداء الجويسر
‏@galjuwaiser
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop