مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

صراع البقاء أم صراع الثقة؟

في كل مرة يشهد فيها قطاع ما تحولاً كبيراً ترتفع الأصوات وتتباين المصالح وتشتد المنافسة. وما يحدث اليوم في السوق العقاري السعودي ليس استثناءً، فخلف الضجيج المتصاعد على منصات التواصل وخلف الاتهامات المتبادلة بين بعض العاملين في القطاع تبرز تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام صراع طبيعي تفرضه مرحلة التحول والتنظيم؟ أم أمام معركة قد تؤثر في ثقة المتعاملين بصورة السوق العقاري؟
وبين من يقرأ المشهد باعتباره منافسة مشروعة ومن يراه تصفية حسابات تحت عنوان “صراع البقاء” تبقى الحقيقة الأهم أن السوق العقاري يمر بمرحلة مفصلية تستدعي الوعي وتحكيم العقل والعودة إلى المصادر الرسمية قبل الانجراف خلف أي رواية أو معلومة غير موثقة.
الحقيقة أن القطاع العقاري السعودي يعيش واحدة من أكبر مراحل التطور في تاريخه، فالتشريعات الجديدة والرقمنة والحوكمة ورفع مستوى الامتثال وتنظيم الممارسات المهنية، كلها عوامل أعادت رسم ملامح السوق بشكل مختلف عما كان عليه قبل سنوات قليلة.
ومع كل تحول كبير تظهر تحديات طبيعية فهناك من اعتاد العمل وفق نماذج قديمة وأصبح مطالباً بالتكيف مع واقع جديد، وهناك جيل جديد من الوسطاء والمنشآت العقارية يدخل السوق بأدوات مختلفة وطموحات أكبر.
وفي مثل هذه المراحل الانتقالية يصبح الاحتكاك أمراً متوقعاً، بل وربما صحياً إذا بقي في إطار المنافسة المهنية.
لكن الإشكالية تبدأ عندما ينتقل الخلاف من نقاش مهني إلى تشكيك شخصي، ومن اختلاف في الرأي إلى حملات متبادلة، ومن نقد الممارسة إلى الطعن في الأشخاص أو المنشآت، هنا لا يعود الأمر مجرد خلاف بين أطراف داخل القطاع، بل يتحول إلى قضية تمس صورة السوق بأكمله.
المستثمر الذي يراقب المشهد من الخارج لا يهمه من المنتصر في هذه المعركة، والمستهلك الباحث عن شراء منزل أو استثمار عقاري لا يعنيه من يملك المتابعين الأكثر أو الصوت الأعلى.
ما يبحث عنه الجميع هو الثقة، والثقة لا تُبنى بالصراخ، بل بالمعلومة الصحيحة والالتزام المهني والشفافية.
المقلق أكثر أن منصات التواصل أصبحت المصدر الأول للمعلومات لدى شريحة واسعة من الناس.
وفي ظل كثافة المحتوى العقاري وتعدد الآراء والاجتهادات، بات من السهل تداول معلومة غير دقيقة أو رأي شخصي على أنه حقيقة مطلقة، وهذا ما يخلق حالة من الضبابية لدى المتلقي ويؤثر بشكل مباشر على قراراته وثقته بالسوق.
ومن هنا تبرز أهمية الجهات التنظيمية التي لم تعد مجرد جهة رقابية، بل أصبحت شريكاً أساسياً في بناء سوق عقاري أكثر نضجاً وتنظيماً، فالأنظمة واللوائح والتحديثات تصدر بشكل مستمر، والمتحدثون الرسميون موجودون لإيضاح المستجدات، والقنوات الرسمية أصبحت المرجع الأول لأي معلومة تتعلق بالقطاع.
ولذلك فإن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات التنظيمية وحدها، بل تشمل جميع العاملين في القطاع العقاري، فكل منشور يتم نشره وكل معلومة يتم تداولها وكل اتهام يلقى في الفضاء العام ينعكس بشكل أو بآخر على صورة السوق وثقة المتعاملين فيه.
السوق العقاري السعودي أكبر من خلافات الأفراد، وأهم من معارك المنصات وأعمق من أن يُختزل في سجال عابر هنا أو هناك، فهو قطاع يقود جزءاً مهماً من التنمية الاقتصادية، ويرتبط باستثمارات ضخمة ومشاريع وطنية ومستهدفات استراتيجية تتجاوز مصالح الأشخاص والمنشآت.
وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سينتصر في صراع البقاء؟ بل: من سيسهم في تعزيز الثقة؟
ففي نهاية المطاف لن يكون المستقبل للأعلى صوتاً، ولا للأكثر جدلاًولا للأكثر إثارة.
المستقبل سيكون للأكثر مهنية والأكثر التزاماًوالأكثر احتراماً للأنظمة، والأقدر على خدمة العميل وبناء الثقة.
أما الضجيج فغالباً ما يختفي مع الوقت، بينما تبقى الثقة هي الاصل الثابت وهي العمله الأغلى في اي سوق ناجح ومستدام.

 

هليل البلوي
@hilayel
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop