لم تعد الصُّورة المرئيَّة في العصر الحديث عنصرًا جماليًّا مكمِّلًا للرِّسالة الإعلاميَّة، بل تحوَّلت إلى أداةٍ إستراتيجيَّةٍ تصوغُ الانطباع الأوَّل، وتؤثِّر بعمقٍ في تشكيل الرَّأي العام العالميِّ. وفي هذا السِّياق، نجحت المملكة العربيَّة السعوديَّة خلال السَّنوات الأخيرة في إعادة بناء صُورتها البصريَّة باحترافيَّة لافتةٍ، مستندةٍ إلى محتوى متجدِّد، وحضورٍ مؤثِّرٍ في المنصَّات الدوليَّة.
هذا التحوُّل لم يكن عشوائيًّا، بل جاء نتيجة وعي متصاعدٍ بأهميَّة «القوَّة النَّاعمة البصريَّة»، بوصفها إحدى أدوات التأثير الحديثة. فقد برزت المملكة في المنتديات والملتقيات العالميَّة، وفي الأحداث الكُبْرى، والمنافسات الدوليَّة، بصورة متماسكةٍ تعكس حيويَّة التحوُّل، وتنوُّع المشهَدَينِ الثقافيِّ والاقتصاديِّ. وأصبحت الصُّورة السعوديَّة أكثرَ قدرةً على التَّعبير عن واقع متجدِّدٍ بلغة بصريَّة سريعة الوصول، تتجاوز الحواجز اللغويَّة، وتخاطب العالم بكفاءة.
غير أنَّ التحدِّي لا يكمنُ في إنتاج الصُّورة فحسب، بل في استدامتها، وتعزيز مصداقيتها. فنحن نعيش في عصر إعلاميٍّ متسارعٍ، يتدفق فيه المحتوى بكثافةٍ، وتجد فيه الصُّور السلبيَّة طريقها للانتشار أسرع من الإيجابيَّة. وتشير التجارب الإعلاميَّة إلى أنَّ تصحيح الانطباعات السلبيَّة يتطلَّب جهدًا مضاعفًا وتكرارًا مدروسًا، ما يفرض ضرورة العمل المستمر، والمنهجيِّ لإدارة الصُّورة الذهنيَّة، بعيدًا عن ردود الفعل المؤقتة.
وعليه، فإنَّ الحفاظ على الصُّورة المرئيَّة للمملكة في الرَّأي العام العالميِّ يتطلَّب تكامل الأدوات الإعلاميَّة؛ من المحتوى الرقميِّ إلى الفعاليَّات الدوليَّة، ومن السَّرد البصريِّ إلى بناء الشراكات المؤثِّرة، بما يضمن حضورًا متجدِّدًا يعكس الواقع، ويعزِّز الثقة.
وقد شهدتُ نقاشًا فكريًّا وثقافيًّا ثريًّا في ملتقى أسبار حول هذا الموضوع، بمشاركة نخبةٍ من المفكرِينَ والمتخصصِينَ في الإعلام، حيث اتَّفقُوا على أنَّ الصُّورة الإعلاميَّة لم تعد خيارًا، بل مسؤوليَّة إستراتيجيَّة: إمَّا أنْ تُصاغ باحترافيَّةٍ ورُؤيةٍ طويلةِ المدَى… أو يتم التعاقد مع شركات متخصِّصةٍ ومشاركتها باحترافيَّةٍ؛ لتشكليها بما يليقُ بوطنٍ عظيمٍ كالمملكةِ العربيَّة السعوديَّة.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون