في الصمتِ مسافةٌ لا تُقاسُ بالوقتِ، بل تُقاسُ بعمقِ ما نسمعُهُ في داخلِنا.
حين يهدأُ الضجيجُ من حولِنا، يبدأُ صوتٌ آخرُ بالظهورِ، صوتٌ خافتٌ، صادقٌ، لا يصرخُ، ولا يُجاملُ.
الصمتُ ليس فراغًا، بل امتلاءٌ خفيٌّ، امتلاءٌ بالحضورِ، بالفهمِ، بالتصالحِ. الصمتُ الذي يُشبهُ الشفاءَ، ليس هروبًا من العالمِ، ولا انقطاعًا عن الناسِ.
إنَّهُ عودةٌ لطيفةٌ إلى الذاتِ، جلوسٌ هادئٌ مع النفسِ، دونَ أقنعةٍ، دونَ تبريرٍ، دونَ مقاومةٍ. هو لحظةُ صدقٍ نادرةٍ، نكفُّ فيها عن تفسيرِ كلِّ شيءٍ، ونسمحُ للأشياءِ أن تكونَ كما هي.
كم مرَّةً حاولنا أن نُصلحَ ألمًا بالكلامِ، فزادَ الكلامُ ثِقَلًا فوقَ ثِقَلٍ. وكم مرَّةً جلسنا بصمتٍ، فانسحبَ الوجعُ قليلًا، كأنَّهُ وجدَ طريقَهُ للخروجِ دونَ صراعٍ.
ليس لأنَّ الصمتَ يُلغي الألمَ، بل لأنَّهُ يُوسِّعُ القلبَ لاحتوائِهِ.
في الصمتِ، تتباطأُ الأفكارُ، كأنَّها أوراقٌ تتساقطُ واحدةً تلوَ الأخرى. نرى ما كُنَّا نُخفيهِ عن أنفسِنا. نلمسُ مشاعرَ مؤجَّلةً، خوفًا قديمًا، حزنًا لم يُبكَ بما يكفي، تعبًا تراكمَ بصمتٍ أيضًا.
الصمتُ مرآةٌ دقيقةٌ، لا تُزيِّنُ الصورةَ، ولا تُشوِّهُها. يُرينا حقيقتَنا كما هي، بنقاطِ ضعفِنا، وبقوَّتِنا التي لم ننتبهْ لها.
وفي هذه الرؤيةِ، يبدأُ شيءٌ يشبهُ الشفاءَ. الشفاءُ ليس دائمًا فعلًا خارقًا، ولا تغييرًا دراميًّا. أحيانًا يكونُ قبولًا بسيطًا. تنفُّسًا أعمقَ قليلًا. توقُّفًا قصيرًا عن جلدِ الذاتِ. ابتعادًا هادئًا عن معركةٍ لا تستحقُّ. في الصمتِ، نتعلَّمُ الإصغاءَ. نُصغي لأنفاسِنا. لنبضِ قلوبِنا. للجسدِ وهو يهمسُ بتعبِهِ، أو امتنانِهِ، أو حاجتِهِ للراحةِ. الصمتُ يُعيدُنا إلى لغةٍ نسيناها، لغةِ الإحساسِ. ليس كلُّ صمتٍ شفاءً. هناك صمتُ الانكسارِ، وصمتُ القهرِ، وصمتُ الخوفِ. لكنَّ الصمتَ الذي نختارُهُ بوعيٍ، بمحبةٍ، بلطفٍ مع النفسِ، هو صمتٌ مختلفٌ. صمتٌ حيٌّ، دافئٌ، حاضنٌ.
ذلك الصمتُ يُشبهُ حضنًا داخليًّا. يقولُ لنا دونَ كلماتٍ: لا بأس. يمكنُكَ أن تهدأ. يمكنُكَ أن تتعب. يمكنُكَ أن لا تفهمَ كلَّ شيءٍ الآن. في الصمتِ، تسقطُ الحاجةُ المستمرَّةُ لإثباتِ شيءٍ ما.
لا حاجةَ للدفاعِ. لا حاجةَ للتفسيرِ. لا حاجةَ للظهورِ بصورةٍ مثاليَّةٍ. فقط حضورٌ بسيطٌ، صادقٌ، كافٍ. الصمتُ يُعيدُ ترتيبَ الداخلِ، كما تُعيدُ الريحُ ترتيبَ أوراقِ الشجرِ. يُنقِّي المساحاتِ المزدحمةِ بالقلقِ. يُخفِّفُ حدَّةَ التوتُّرِ. ويفتحُ نافذةً صغيرةً للسكينةِ. وفي تلك النافذةِ، نرى الحياةَ من زاويةٍ أهدأَ. نرى أنَّ كثيرًا مما أرهقَنا، لم يكُنْ بحجمِ ما تخيَّلناه. نرى أنَّ بعضَ المعاركِ كان يمكنُ تركُها.
وأنَّ بعضَ الأحمالِ لم تكُنْ لنا أصلًا.
الصمتُ يُعلِّمُنا الانفصالَ الصحيَّ.
أن نُحبَّ دونَ ذوبانٍ. أن نهتمَّ دونَ استنزافٍ. أن نُعطي دونَ أن نفقدَ أنفسَنا. وفي الصمتِ، تتَّضحُ الأولويَّاتُ. ما الذي يستحقُّ طاقتي. ما الذي يستحقُّ قلبي. ما الذي يستحقُّ أن أبقى لأجلِهِ، وما الذي حانَ وقتُ تركِهِ.
الصمتُ مساحةُ شفاءٍ لأنَّهُ يُبطئُنا.
والبطءُ، في عالمٍ يركضُ بلا توقُّفٍ، شكلٌ من أشكالِ الرحمةِ. رحمةٌ بالفكرِ. رحمةٌ بالجسدِ. رحمةٌ بالقلبِ.
حين نصمتُ بوعيٍ، لا نصمتُ لأنَّنا ضعفاءُ، بل لأنَّنا نختارُ السلامَ. نختارُ أن لا نُبدِّدَ طاقتَنا في كلِّ اتجاهٍ. نختارُ أن نسمعَ ما هو أعمقُ من الضجيجِ.
الصمتُ الذي يُشبهُ الشفاءَ، يُغيِّرُنا بهدوءٍ. لا يُعلنُ عن نفسِهِ. لا يطلبُ تصفيقًا. لكنَّهُ يتركُ أثرًا واضحًا: خفَّةً، اتِّزانًا، وضوحًا، واتِّساعًا داخليًّا.
وفي النهايةِ، نُدركُ أنَّ الصمتَ لم يكُنْ غيابًا. بل كان لقاءً. لقاءً مع نفسٍ طالَ انتظارُها. وقلبٍ كان يحتاجُ فقط… أن يُسمَع .
إلهام المحمدي
@ElhamElhamal950
عضو جمعية إعلاميون