نمرّ بتجارب عدّة، وبمحطاتٍ كثيرة، نعيش فيها أحداثًا مختلفةً ومتنوعة؛ فيها الجميل وفيها القبيح، فيها المفرح وفيها المحزن. ولو عدتَ بذاكرتك متأمّلًا، فلن تتذكر عدد مرات ركوبك للقطار، لكنك – دون شك – لن تنسى التجربة الأولى لركوبه. ولن تتذكر عدد الرحلات التي قطعتها، ولا المطارات التي حطّت رحالك بها، ولا الصالات التي غادرت منها، لكنك حتمًا لن تنسى أول رحلة، وأول مطار، وأول مسار حقائب تقف عنده انتظارًا لحقيبتك؛ تلك هي التجربة الأولى.
جمال التجربة الأولى يكمن في ما تمنحك إياه من شعورٍ لا تمنحه سائر التجارب؛ ففيها الاكتشاف، ولولاها لما اكتشفت ذلك الشيء. وبغضّ النظر عن نتائجها، نجحت أم فشلت، فالأهم أنها خُلِّدت في الذاكرة، بينما لا يُخلَّد من التجارب اللاحقة إلا الناجح منها. ومع ذلك، فلن تنسيك أي تجربةٍ لاحقة تجربتك الأولى الخالدة.
ستبقى تلك التجربة جميلةً ورائعة، مهما كانت ظروفها؛ فهي الأولى، وهي التي فتحت لك آفاقًا جديدة، وعبرت بك إلى مرحلةٍ أخرى، وعلّمتك درسًا مهمًا، وأضافت إليك الكثير من الفائدة وربما المعرفة.
تبقى التجربة الأولى رائعةً بحلوها ومرّها، بإيجابياتها وسلبياتها، بمكتسباتها وخسائرها. ومهما تعددت تجاربك في الحياة، فلن تكون كالأولى؛ فعنصر الاكتشاف علامةٌ حصرية تُكتب باسمها.
وللتجربة الأولى سِمةٌ أخرى، وهي الدهشة؛ ذلك الشعور الذي لا يتكرر مهما أعدت التجربة. وعلى الصعيد النفسي، تحتفظ التجربة الأولى بذكرياتٍ وأثرٍ جميلين، يبقيان مهما طال الزمن.
وعلى الصعيد الشخصي، أذكر جيدًا أول تجربةٍ خضتها في القراءة؛ كان كتاب «هُدى الساري مقدمة فتح الباري»، كتابًا جميلًا ورائعًا ومفيدًا وثريًا، مع أنني حين قرأته كان أكبر من أن يستوعبه عقلي آنذاك؛ لذا لم أنل الفائدة المرجوة منه.
وأذكر أول نصٍّ كتبته؛ كنت أتحدث فيه عن حلم: أن أكون مستلقيًا في غرفتي الخاصة، وبجانبي أم أطفالي، نتجاذب أطراف الحديث، مسترجعين ما مررنا به طوال تلك السنوات، فنضحك فرحين بما نحن فيه الآن، فأقاطع ضحكنا بالحمد والشكر على ما آلت إليه أحوالنا. ثم أنهض إلى صالة بيتي الكبير، فأجد أطفالي وقد كبروا، يجلس الإخوة والأخوات مجتمعين يحتسون قهوتهم، مرحّبين بي، طالبين مني مشاركتهم حديثهم الشائق. أجلس بينهم، أنظر إليهم ملتفّين حولي، يسكبون لي فنجالًا، ولا يكادون يمدّون الفنجال حتى يمدّون معه موضوعهم، مستفسرين ومنصتين، ينتظرون رأيي فيما يتناقشون به. عندها تقاطعهم والدتهم قائلة: دعوا أباكم يحتسي قهوته بهدوء. فأبتسم محدّثًا نفسي: لا عليكِ يا أول تجاربي، فأنا الآن سعيد.
هو – بلا شك – حلم شابٍّ يافعٍ طموح، يحلم بالزواج والاستقرار، وطرق باب التجربة. وقد قال الشاعر العباسي أبو تمام: (كَمْ مَنْزِلٍ في الأَرْضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى * * * وَحَنِينُهُ أَبَدًا لِأَوَّلِ مَنْزِلِ).
وهنا ربط أبو تمام حنين الفتى بأول منزل، مهما ألف غيره؛ فالحنين يبقى دائمًا للتجربة الأولى.
بدر الصقيري
@WriterBader
عضو جمعية إعلاميون