مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

“عسل الرمث”.. إكسير المفلسين!؟

ركبت سيارتي واتجهت إلى صحراء قاحلة لا ترى فيها سوى “الرمث”. ما هو الرمث؟ فيما بعد سأحدثكم عنه.

وسط ذلك الهدوء الذي لم يقطعه سوى حفيف الهواء، إذا بصوت صديقي القلم يطالبني بإلحاح أن أكتب. حدقت فيه بشيء من الحنق، وكدت أن أكسره إلى نصفين، فمجيئه معي هنا من الأساس كان نسيانًا مني. كدت أن أسدد له لكمة، ولكني تمالكت نفسي وأشفقت عليه عندما رأيت ضآلة حجمه، ونحافة جسمه، وبراءة وجهه! ثم حاورته قائلًا: لا شيء هذا المساء كي أكتبه، فاغرب عن وجهي، لا أريد أن أراك في أوقات سلوتي وخلو ذهني.

لكنه، بأدب وتواضع، قال مرة أخرى: أرجوك، اكتب عن أي شيء تراه في الأفق. قلت: لا أرى سوى “الرمث”. قال: يا سلام عليك، الآن اكتملت اللوحة! ضعه في تشبيه عبقري يحمل عمقًا أصيلًا.

تأملت فقلت له: أتهزأ بي؟ هل ترى ورودًا تنتج النحلة من رحيقها العسل؟ قال لي صاحبي القلم، وهو يحاورني: نعم، فامضِ بي واكتب عن “عسل الرمث” الذي ربما نعتبره التجسيد المثالي لـ”ظاهرة صوتية بلا نفع”.

في مأثورات البادية القديمة، ومما تداولته العرب في مجالسها، أنك إذا أردت أن تصف رجلًا “كثير الهياط، قليل النفع”، رجلًا إذا استشرته في معضلة منحك خطبة عصماء، وإذا طلبته في ضيق أعطاك ظهره، فإنك تقول عنه باختصار: “فلان عسله عسل الرمث!”.

والرمث -لمن لا يعرفه- هو تلك الشجيرة الصحراوية الصابرة، التي تصلح لكل شيء… إلا أن تكون مصدرًا للحلاوة! النحلة المسكينة، مدفوعة بفضولها أو ربما بقلة الحيلة، قد تغشاها وتدور حولها، وتخرج منها بسائل لزج يشبه العسل في شكله، لكنه في حقيقته مجرد “خديعة بصرية” لا تشفي مريضًا ولا تحلي حنكًا.

وعسل الرمث أراه في ممارسات سلوكية لا تزال تعيش بيننا في القرن الحادي والعشرين، وله تجليات تُبكي من شدة الضحك. خذ عندك وسجل أيها القلم المزعج:

1- وعود التوظيف.. “المقابلة القادمة هي الفيصل!”

أبرز من ينتج “عسل الرمث” في عصرنا الحديث بعض مسؤولي التوظيف (الموارد البشرية) في بعض الشركات. تدخل المقابلة الشخصية، فيستقبلك أحدهم بابتسامة أعرض من شاشة في صالة السينما، ويقول لك بنبرة تقطر تفاؤلًا: “سيرتك الذاتية أبهرتنا، ونحن نبحث عن عباقرة مثلك لتطوير الشركة، انتظر منا اتصالًا الأسبوع القادم!”.

هذا الكلام -يا صديقي- هو عسل الرمث صافيًا مصفّى! تظل منتظرًا بجانب الهاتف حتى تصدأ شبكة الاتصال، لتكتشف أن “العسل” الذي ذقته لم يكن إلا مسكنًا مؤقتًا، وأن الوظيفة ذهبت لغيرك قبل أن تطأ قدمك الشركة!

2- الأصدقاء السلبيون.. خبراء “التثبيط المقطر”

هناك نوع من البشر تخصصوا في صناعة عسل الرمث السلبي. تأتيه متحمسًا لفكرة مشروع جديد: “يا فلان، سأفتح متجرًا إلكترونيًا!”، فينظر إليك بنظرة حكيمة، ويقول بصوت دافئ: “جميل جدًا.. بارك الله فيك.. لكن السوق ميت، والناس عندهم غيرك كثير، ولن تستعيد حتى رأس مالك، وعموماً بالتوفيق!”.

هؤلاء هم “نحل الرمث” الحقيقي؛ يمتصون حماسك، ويفرزون لك إحباطًا مغلفًا بعبارات النصيحة والمحبة، فتخرج من عندهم وأنت تشعر أن العالم سينتهي غدًا بعد صلاة العصر!

3- وعود “سأكلم لك فلان!”

تطلب من أحدهم خدمة، فينتفض واقفًا، ويضرب على صدره بقوة تكاد تكسر ضلوعه، ويقول: “أبشر بسعدك! موضوعك منتهٍ، اعتبره في مخباي (جيبي)!”.

تمر الأيام، وتتصل به، فيتحول من النبرة العنترية إلى نبرة العزاء: “والله كلمت فلانًا، وفلان كلم فلانًا، لكن السيستم عطلان، والمدير مسافر، والظروف كذا..”. هذا هو النفع الرمثي في أبهى صوره؛ جعجعة بلا طحن، ودخان كثيف بلا نار تدفئ.

يا صديقي، إذا صادفت في حياتك من يغرقك بالكلام المعسول، ويمطر أذنيك بوعود براقة، فلا تفرح كثيرًا قبل أن تتأكد من حقيقة الشخص. فالعالم مليء بالمظاهر، والكلام لم تكن عليه يومًا جمارك.

تذكر دائمًا: ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل سائل لزج عسلًا… فبعض العسل ليس عسلًا، بل هراء في خواء في الفضاء، يبرع في صياغته كثير من الناس!

 

د. عبدالعزيز العنزي
@Audd1231Audd123
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop