هناك لحظات في حياة الإنسان يكتشف فيها أنه لم يكن مخطئًا في الحب بقدر ما كان مخطئًا في الثقة. لحظات يقف فيها مع نفسه وقفة صدق، فيتأمل الوجوه التي مرّت في حياته، ويعيد قراءة الحكايات التي ظنّ يومًا أنها ستنتهي بالوفاء، فإذا بها تنتهي بالصمت… أو بالخذلان.
كم من مرة حسبنا بعض الناس مصابيح تضيء عتمة الطريق، ففتحنا لهم أبواب القلب دون حذر، وأعطيناهم من الصفاء ما لا يُعطى إلا للأوفياء. ظننا أنهم سيكونون الدفء في ليالي البرد، والسند حين تميل الأيام، لكن الحقيقة جاءت متأخرة… جاءت لتخبرنا أن بعض الأضواء ليست إلا وهجًا خادعًا، يلمع للحظة ثم يترك خلفه عتمة أعمق.
ليست القسوة في أن يرحل الناس، فالرحيل سنّة الحياة، لكن القسوة الحقيقية أن يرحلوا بعد أن نمنحهم الثقة كاملة. أن نكتشف متأخرين أن الذين حسبناهم نورًا كانوا سببًا في اتساع الظلال داخلنا. حينها فقط نشعر بحاجة عميقة إلى الاعتذار… لا للآخرين، بل لقلوبنا.
نعتذر لقلوبنا لأننا لم نحسن حمايتها، لأننا صدّقنا الكلمات سريعًا، ولأننا منحنا بعض البشر مكانة لم يكونوا جديرين بها. نعتذر لأننا سمحنا لأحلامنا أن تتعلق بوعود هشة، ولأننا ظننا أن الطيبة وحدها تكفي لتصنع الوفاء.
ومع ذلك، فإن هذه الخيبات ليست نهاية الطريق. فهي، على قسوتها، تعلّمنا درسًا عميقًا: أن النور الحقيقي لا يأتي دائمًا من الآخرين، بل قد يولد من داخلنا نحن. من التجارب التي صقلت أرواحنا، ومن الوعي الذي صنعته الدموع، ومن القوة التي تولد بعد كل انكسار.
وحين نفهم ذلك، ندرك أن الاعتذار الذي نقدمه لقلوبنا ليس علامة ضعف، بل بداية مصالحة مع الذات. مصالحة تجعلنا أكثر حكمة في اختيار من نسمح لهم بالاقتراب، وأكثر قدرة على التمييز بين الضوء الحقيقي وبين اللمعان العابر. فبعض الناس يمرون في حياتنا ليكونوا مصابيح… وبعضهم يمرون فقط ليعلّمونا كيف نصنع نورنا بأنفسنا.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون