مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

عندما تكذب الأماكن وتصدق النيّات

كان الليل ينسحب من أطراف المدينة ببطءٍ حزين، والهواء يحمل تلك السكينة التي تسبق كل حدثٍ كبير.
وقف رجلٌ أمام باب ملهى ليلي، مكان لا يشبهه ولا يشبه أيامه ولا ملامح وجهه. كان يدرك أن وقوفه هنا حالة استثنائية، وأن نظرة واحدة من عابرٍ قد تكشف عالماً من الظنون، لكنه لم يأتِ بحثًا عن لهو ولم تدفعه رغبةٌ عابرة، بل جاء لأن قلبه أثقلته مسؤولية إنسانٍ عرفه صغيرًا وانزلق اليوم في طريق لم تعد نهايته مطمئنة، شعر أن النصيحة لا تصل عبر هاتف وأن من أراد الإنقاذ قد يضطر لدخول أماكن لا يليق به الوجود فيها، وأن الرحمة قد تحتاج أحيانًا إلى جرأة أوسع من حدود السمعة.
شدّ عباءته ضغط على نبضه المتسارع ودخل، كانت الموسيقى شديدة والأضواء تتراقص فوق رؤوس الراقصين كأنها تحجب الصوت العاقل وسط الصخب، بحث بعينيه عن الشاب حتى وجده، اقترب منه جلس بجانبه وتحدث بصوتٍ منخفض يشبه نصيحة أب يخشى على ابنه أكثر مما يخشى على نفسه، لم يتحدث بوعظٍ جاف، بل بكلمةٍ حانية وبقلب يعرف أنه هنا ليُنقذ لا ليحكم.
لكن القدر كان أسرع من الحوار، اندلع شجار عند طرف القاعة، ارتفع الصراخ تدافع الشباب سقطت الطاولات ودُفع الرجل في زحامٍ لم يكن جزءًا منه، سقط على الأرض ووسط الفوضى انطفأ صوته إلى الأبد، خرجت روحه في مكانٍ سيتهمه الناس بسوء رغم أنه دخل إليه بنيةٍ أصفى من الماء وأصدق من كثيرٍ ممن يقفون بعيدًا ويثرثرون عن الأخلاق.
وفي جانب آخر من المدينة كان الفجر ينثر الضوء على الأرصفة الهادئة والمساجد تفتح أبوابها لمن يبحثون عن سكينة، رجل آخر كان يقف قرب المسجد لكنه لم ينتظر تكبيرة الإحرام ولم يحمل سجادته ولم يدخل بنية الصلاة بل كان يراقب صفّ الأحذية عند الباب مراقبة من يعرف ما يريد، كان يرى في تلك الأحذية فرصة سهلة لا تحتاج جهدًا ولا مخاطرة.
مدّ يده بخفة السارق الخبير، أخذ حذاءً ثم آخر وركض مبتعدًا نحو الشارع الجانبي ظنًا منه أن الطريق آمن واللحظة مناسبة، لكنه لم يكن وحده في الشارع، سيارة مسرعة انعطفت فجأة ولم ينتبه لها فجاءت الضربة قاسية وسقط الرجل على الإسفلت بلا مقاومة، انتهت حياته في ثانية، في مكانٍ قد يظنه الناس طاهرًا لأنه قريب من المسجد، لكنه خرج منه بنيةٍ لا تشبه نور الصلاة.
بين موت الرجلين مسافة تكفي لإعادة تعريف الحقيقة، الأول مات في ملهى وهو يحمل نية إصلاح، والثاني مات قرب مسجد وهو يحمل نية سرقة، ورغم هذا سيُحاكمهما الناس بحسب المكان لا بحسب القلب.
سيُدان الأول لأنه مات في موقعٍ سيئ، وسيُحسن الظن بالثاني لأنه سقط بجوار مكانٍ معظم الناس يعتبرونه صالحًا.
وهنا تكمن المأساة: أن الإنسان يحكم بالصورة بينما الله جل في علاه يحكم بالنية، وأن المجتمع يقيس الظاهر بينما العدالة الإلهية تنظر إلى ما لا تراه العيون.
هذه ليست قصة موت ،بل مرآة دقيقة لما نفعله كل يوم. نصدر أحكامًا بلا علم ونبني تصورات بلا دليل ونختزل مصير الإنسان في عشر ثوانٍ من حياته ،أو في مكان صادف وجوده فيه.
ننسى أن المكان لا يطهّر فاسدًا ولا ينجّس صالحًا، وأن الخطوة الأخيرة لا تكشف شيئًا من الخطوات التي سبقتها ،وأن الحكم على الناس بناءً على مواقع موتهم شكل من أشكال الظلم الذي يتسلل إلى المجتمع تحت اسم الفضيلة.
الحقيقة أن الأماكن تخدع، الملهى ليس شهادة سوء والمسجد ليس صكّ نجاة، هناك من يدخل أسوأ الأماكن بقلبٍ يريد الخير وهناك من يقف في أطهر الأماكن وهو غارق في نوايا لا تشبه الطهارة.
القلب هو الميزان والنية هي الحقيقة والخاتمة تُكتب بما في السريرة لا بما في العنوان.
إن هذه القصة بتفاصيلها المتناقضة تقول شيئًا واحدًا بوضوح لا يقبل الجدال: الحكم لله وحده.
لا يحق لأحد أن يوزع مقاعد الجنة والنار ولا أن يرفع أحدًا أو يخفض آخر لمجرد أن صورة النهاية جاءت مبهمة أو صادمة. فالعدل الإلهي لا يقرأ المكان بل يقرأ ما وراء المكان ويزن ما لا يراه إنسان.
قد يموت أحدهم في ملهى وهو قريب من الله ،وقد يموت آخر قرب مسجد وهو بعيد عنه بعد الأرض عن السماء. المقياس ليس الموت ،بل الطريق الذي سبق الموت ،وليس المكان ،بل القلب الذي وصل إلى ذلك المكان.
إنها دعوة للمجتمع قبل الفرد لننظر إلى ما في القلوب ،لا إلى ما في الأماكن ،فالملهي لا يلوّث نيّة طاهرة والمسجد لا يُطهّر نيّة فاسدة.
المكان لا يعطي الإنسان قيمته… الإنسان هو من يعطي المكان قيمته.

 

أ. سعيد الأحمري
‏@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop