يأتي عيد الفطر كل عام كنسمة رحمة تعقب أيام الصيام، وكأنّه مكافأة إلهية للروح بعد رحلة من الصبر والتهذيب. فليس العيد مجرد يومٍ يبدّل فيه الناس ثيابهم، أو يزينون بيوتهم بالفرح، بل هو حالة من الصفاء تتسلل إلى القلوب، وتوقظ فيها معاني الألفة والرحمة والمحبة.
بعد شهرٍ كاملٍ تعلّم فيه المسلم كيف يروّض شهواته، ويهذّب طباعه، ويقرّب قلبه من خالقه، يأتي العيد ليقول للإنسان إن الروح التي ارتقت في رمضان تستحق أن تفرح. لذلك كان العيد فرحةً مزدوجة؛ فرحة للجسد الذي أتم الصيام، وفرحة للروح التي تذوقت حلاوة القرب من الله.
وفي صباح العيد، حين تتعالى تكبيرات المساجد، يشعر الناس وكأن الأرض كلها تشاركهم هذه البهجة. تتلاقى الوجوه بالبِشر، وتتصافح الأيدي بصدق، وتذوب في لحظاته كثير من القطيعة التي أثقلتها الأيام. فالعيد لا يجمع الناس في المكان فقط، بل يجمعهم في المعنى؛ معنى الألفة التي تجعل القلوب أقرب، والنفوس أصفى.
ليس سرّ العيد في المظاهر وحدها، بل في تلك المشاعر الخفية التي تسري بين الناس دون ضجيج؛ في زيارةٍ تعيد دفء العلاقة، وفي كلمة عفوٍ تفتح باب الصلح، وفي ابتسامة طفلٍ يركض بثيابه الجديدة وكأنه يحمل رسالة الفرح إلى العالم.
ولهذا ظل العيد في ذاكرة المسلمين أكثر من مناسبة عابرة، فهو محطة إنسانية تتجدد فيها الروابط، ويتذكر فيها الناس أن الحياة أجمل حين تتسع القلوب لبعضها. فالأعياد لا تُقاس بما فيها من زينة أو احتفال، بل بما توقظه في النفوس من محبة، وما تعيده إلى العلاقات من صفاء.
وحين يغادر يوم العيد، يبقى معناه الأعمق: أن ما تعلمناه في رمضان من صبر ورحمة وتسامح ينبغي ألا يبقى حبيس أيام الصيام، بل يمتد ليصنع من أيامنا كلها مساحة للخير والألفة.
ليس العيد يومًا عابرًا في التقويم، بل لحظة إنسانية تتجدد فيها معاني الرحمة بين الناس. ففيه يتذكر القلب أن الفرح الحقيقي لا يُصنع بالمظاهر وحدها، بل بما يفيض به من محبةٍ وصفاء. وحين يبتسم العيد، لا تبتسم البيوت بالزينة فحسب، بل تبتسم القلوب لأنها وجدت طريقها من جديد إلى الألفة والتسامح.
لذلك يبقى أجمل ما في العيد أنه يعيد إلينا ما كدنا ننساه في زحام الحياة: أن القلوب خُلقت لتلتقي، وأن الفرح يصبح أعمق حين نتقاسمه مع الآخرين. وهكذا يمضي العيد تاركًا في النفوس أثرًا دافئًا، يذكّرنا بأن الحياة تظل أجمل ما دامت القلوب قادرة على أن تبتسم كما يبتسم العيد.
وفاء الشهري
@Wafa_aljanoob
عضو جمعية إعلاميون