مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

عينٌ تسمع… وأذنٌ لا ترى

في زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات، أصبحنا نُسيء استخدام حواسنا؛ نُصغي بعيونٍ مغمضة، ونحكم بآذانٍ لا ترى الحقيقة ، أصبحنا نصدق ما يُقال أكثر مما نتحقق مما نراه، ونبني مواقفنا على همسٍ عابر، لا على يقينٍ ثابت.

كم من علاقةٍ انهارت، وكم من قلبٍ انكسر، لا لذنبٍ ثابت، بل لـ قيل وقال، كلمة نُقلت مبتورة، أو نية أُسيء تفسيرها، فكانت كفيلة بأن تهدم بيوتًا عاطفية، وتقطع أواصر مودّةٍ كانت بالأمس عامرة.

يأتيك من يقول: فلان قال عنك… فتغضب، وتخاصم، وتُدين، دون أن تسأل: هل رأيت؟ هل تحققت؟ هل سمعت من المصدر؟ فتكون عينك قد سمعت، وأذنك قد عميت عن الحقيقة.

وعلى الجانب الآخر، يقف شخصٌ أُغلقت بصيرته، امتلأت عينه مما سمع، وتسكّرت أذنه عن كل تفسيرٍ أو اعتذار، فلم يعد يرى فيك إلا صورة رسمها له غيرك، لا أنت كما أنت.

ميزان القرآن: التثبت قبل الحكم
هذا الخلل في الحكم لم يتركه القرآن بلا تصويب، بل وضع قاعدة أخلاقية واضحة لا تحتمل التأويل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾
(سورة الحجرات: 6). آية تختصر كل الأزمات الاجتماعية: الاستعجال في التصديق، والتسرع في الحكم، ثم الندم بعد فوات الأوان.

درس نبوي من السيرة، ففي سيرة النبي ﷺ درس عملي بالغ العمق، حين أُشيع عنه وعن زوجته عائشة رضي الله عنها حديث الإفك، لم يُصدر حكمًا متسرعًا، ولم ينقد خلف الكلام، بل تثبّت، وصبر، وانتظر الوحي، حتى برّأ الله عائشة بآيات تُتلى إلى يوم القيامة.

كان قادرًا على أن يحكم بما سمع، لكنه علّم الأمة أن العدل لا يُبنى على السماع وحده، وأن الكلمة قد تقتل كما يقتل السيف. ولخّص النبي ﷺ هذا المنهج في وصية قصيرة عظيمة الأثر: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدّث بكل ما سمع».. (رواه مسلم).

فليس كل ما يُسمع يُقال، ولا كل ما يُقال يُصدق، ولا كل ما يُصدق يُبنى عليه موقف.

ختامًا لسنا بحاجة إلى حواسٍ جديدة، بل إلى ضميرٍ واعٍ يُحسن استخدامها. أن نرى قبل أن نحكم، وأن نسمع بعقلٍ لا بهوى، وأن نُحسن الظن حتى يتبين العكس.
فكم من خصومةٍ لو تأنّينا لزالت، وكم من قلبٍ لو تثبّتنا لما كُسر، وكم من علاقةٍ لو سألنا قبل أن نصدق… لبقيت. دع عينك ترى، وأذنك تسمع،
ودع قلبك يحكم بالعدل، لا بالظن.

 

د.جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop