حين تتكاثف اللحظات الثقيلة، لا يبدو العالم كما كان يُقال لنا في البدايات؛ لا الناس أكثر صفاءً، ولا العلاقات أكثر بساطة، ولا الكلمات تخرج من أفواهها الأولى بلا حساب.
يبدأ الشعور بهدوء، كأنه ظلّ خفيف؛ أنك موجود بين الجميع، لكنك لا تُشبه ما يحدث. تضحك قليلًا لتُبقي الباب مواربًا، تتحدث بحذر حتى لا تُساء قراءتك، وتختار كلماتك كأنك تعبر حقلًا لا يحتمل الخطأ. ثم فجأة تكتشف أنك متعب من “النسخة المحسوبة” منك؛ فتفكر أن الانسحاب هو الحل الوحيد.
لكن الحقيقة التي لا تُقال بسهولة؛ ليست الطيبة هي التي انتهت؛ بل المساحات التي كانت تسمح لها أن تظهر بلا خوف. أما الإخوة الذين خرجوا من بيت واحد، ثم تفرقت بينهم القلوب؛ فهذه من أكثر المشاهد إيلامًا لأنها تكسر الفكرة الأولى عن الأمان. لكن ما يحدث غالبًا ليس غياب الحب، بل تراكم أشياء صغيرة: كلمة لم تُفهم، مقارنة قديمة، صمت طويل، أو حساسية لم تُعالج في وقتها. فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى جدران كبيرة، ثم يُظن لاحقًا أن الجدار هو الأصل.
ومع ذلك؛ حتى في أكثر العلاقات تشظيًا، يبقى هناك خيط خفي لا ينقطع تمامًا، يظهر في موقف طارئ، أو ذكرى قديمة، أو لحظة ضعف لا يملك فيها الإنسان قسوته المعتادة.
العزلة التي تفكر بها ليست خطأ حين تكون “استراحة”، لكنها تصبح مؤلمة حين تتحول إلى وطن دائم. لأنها قد تحميك من الضجيج؛،لكنها أيضًا تحرمك من فرصة أن تُرى كما أنت حقًا، لا كما يسيء الآخرون فهمك.
ربما ما تحتاجه ليس أن تختفي من الناس، بل أن تعيد تعريف المسافة بينهم وبينك: من يستحق القرب؟ ومن يكفيه السلام؟ ومن يجب أن يُترك من دون أن يستهلكك حضوره؟
خلاصة القول؛ هذا الزمن ليس بلا طيبين؛ لكنه زمن يحتاج طيبة تعرف كيف تحمي نفسها، لا كيف تُستنزف.
فاطمة الجباري
@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون