مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

فاقد الشيء لا يعطيه

في عالم يزداد فيه الترابط بين الناس وتتنامى فيه الحاجة إلى التعاون والتكافل، تبرز أهمية العطاء كقيمة إنسانية أساسية تساهم في بناء المجتمعات وتطويرها. إن العطاء ليس فعل مادي أو تبادل خدمات فقط، إنما انعكاس لحالة داخلية من الامتلاء والوفرة التي يمتلكها الإنسان في داخله. ومن هنا، تأتي الحكمة العميقة في القول المأثور “فاقد الشيء لا يعطيه”، التي تذكرنا بأن الإنسان لا يستطيع أن يمنح الآخرين شيئًا لا يمتلكه بنفسه، سواء كان ذلك علم ومعرفة، أو مهارة، أو مشاعر كالاحترام والمحبة. لذا، فإن فهم هذه الحكمة يساعدنا على إدراك أهمية تنمية الذات وتطويرها لكي نتمكن من تقديم الدعم الحقيقي والمثمر للآخرين، مما يعزز من روح التعاون والتكافل في المجتمع.

ترتكز أهمية الحكمة “فاقد الشيء لا يعطيه” في العديد من مجالات الحياة، ولا سيما في تقديم المساعدة والنصح والاستشارة. فالشخص الذي يمتلك العلم والمعرفة والخبرة يكون في موقع يمكنه من تقديم إرشادات دقيقة واستشارات ونصائح سليمة، تساعد الآخرين على اتخاذ قرارات صحيحة وتجنب الأخطاء. هذه القدرة على العطاء لا تقتصر فقط على نقل المعلومات، بل تشمل أيضًا تقديم الدعم النفسي والمعنوي، مما ينعكس إيجابيًا على جودة حياة الأفراد والمجتمع ككل.

أما في حالة افتقار الفرد إلى العلم والمعرفة أو الخبرة، فقد يؤدي ذلك إلى تقديم نصائح غير دقيقة أو معلومات مغلوطة، مما قد يسبب أضرارًا بدلاً من أن يعود بالفائدة. وهذا يبرز أهمية السعي المستمر لاكتساب العلم والمعرفة وتطوير المهارات، سواء من خلال التعليم الرسمي أو الخبرات العملية أو حتى التعلم الذاتي. فكلما زادت خبرة الفرد وعمق فهمه، زادت قدرته على العطاء بشكل فعّال ومؤثر.

أظهرت دراسة حديثة أجريت من قبل جامعة هارفارد في عام 2020 أن 75% من الأشخاص الذين يقدمون نصائح للآخرين في مجال معين، لديهم خبرة ومعرفة في المجال. وهذا يؤكد أهمية الخبرة والعلم والمعرفة في تقديم المساعدة أو النصيحة للآخرين.

كما أظهرت دراسة أخرى أجريت من قبل منظمة الصحة العالمية في عام 2019 أن الأشخاص الذين لديهم خبرة في مجال الصحة، هم الأكثر قدرة على تقديم المساعدة والنصيحة للآخرين في مجال الصحة. وهذا يشير إلى أن الخبرة والمعرفة هي العوامل الرئيسية في تقديم المساعدة الفعالة.

في مجال الأعمال، نجد أن الأشخاص الذين لديهم خبرة وعلم ومعرفة في مجال الأعمال، هم الأكثر قدرة على تقديم المساعدة والنصيحة للآخرين في مجال الأعمال. على سبيل المثال، إذا كان شخص لديه خبرة في مجال التسويق، فإنه قد يكون قادرًا على تقديم نصائح قيمة للآخرين في مجال التسويق.

كما أظهرت دراسة حالة أجريت من قبل شركة ماكينزي في عام 2018 أن الأشخاص الذين لديهم خبرة ومعرفة في مجال الأعمال، هم الأكثر قدرة على تقديم المساعدة والنصيحة للآخرين في مجال الأعمال. وهذا يشير إلى أن الخبرة والعلم والمعرفة هي العوامل الرئيسية في تقديم المساعدة الفعالة في مجال الأعمال.

علاوة على كل ذلك، هذه الحكمة تذكرنا بأن العطاء الحقيقي يبدأ من الداخل، فمن لا يشعر بالرضا أو الامتلاء في ذاته، يصعب عليه أن يمنح الآخرين شيئًا ذا قيمة. لذا، فإن تنمية الذات وتطوير القدرات الشخصية ليست فقط من أجل المصلحة الفردية، إنما أساس لبناء مجتمع قوي ومتلاحم، يستطيع أفراده تقديم الدعم والمساعدة لبعضهم البعض بفعالية وحكمة.

تتجاوز الخبرة والمعرفة حدود الجانب العملي لتشمل كذلك الجوانب النفسية والعاطفية التي تلعب دورًا حيويًا في تكوين شخصية الإنسان وقدرته على التعامل مع الآخرين بفعالية. فالشخص الذي يمتلك نضجًا عاطفيًا متطورًا وفهمًا عميقًا لمشاعر الآخرين، ويمتلك ذكاء عاطفي، يكون أكثر قدرة على تقديم الدعم النفسي والمعنوي، مما يعزز من جودة العلاقات الإنسانية ويجعل المساعدة التي يقدمها ذات قيمة حقيقية ومؤثرة. وهذا النوع من الدعم لا يقل أهمية عن الجانب العملي، إنما يعتبر جزء لا يتجزأ من مفهوم المساعدة الشاملة التي تهدف إلى تحسين حياة الآخرين على المستويين النفسي والاجتماعي.

لذلك، فإن تنمية الذات في مختلف جوانب الحياة – سواء كانت معرفية، عاطفية، نفسية أو اجتماعية – تُعد السبيل الأمثل لتحقيق العطاء الحقيقي. فالتطور المستمر في هذه المجالات يتيح للفرد أن يكون أكثر وعيًا بذاته وبالآخرين، مما يعزز من قدرته على التعامل مع التحديات المختلفة بحكمة ومرونة. كما أن هذا النمو الشامل يساهم في بناء شخصية متزنة قادرة على العطاء دون انتظار مقابل، ويجعل الإنسان نموذجًا يحتذى به في مجتمعه.

إن الإنسان الذي يسعى إلى تطوير نفسه بشكل متكامل، لا يقتصر فقط على اكتساب المهارات والمعرفة العملية، إنما يعمل أيضًا على بناء وعيه العاطفي والنفسي والاجتماعي، ليصبح بذلك قادرًا على تقديم الدعم الحقيقي والمتكامل الذي يحتاجه من حوله، وهو جوهر العطاء الإنساني الأصيل.

في ختام مقالنا هذا، تتضح لنا أهمية الحكمة العميقة التي تقول “فاقد الشيء لا يعطيه”، والتي تحمل في طياتها درسًا جوهريًا عن ضرورة امتلاك العلم والمعرفة والخبرة والنضج قبل أن نتمكن من تقديم العون والدعم للآخرين. فالعطاء الحقيقي ليس فعل خارجي، إنما انعكاس لحالة داخلية متكاملة من الوعي والثقافة والمهارات التي نكتسبها عبر رحلة مستمرة من التعلم والتطوير الذاتي.

إن الاستثمار في النفس وتوسيع المدارك لا يقتصر فقط على تحقيق النمو الشخصي، إنما يمتد ليشمل بناء بيئة مجتمعية صحية وقوية ترتكز على التفاهم والتعاون والمساندة. وعندما نحرص على تعزيز قدراتنا الداخلية، نصبح قادرين على مواجهة التحديات وتقديم المساعدة بفعالية وصدق، مما يخلق تأثيرًا إيجابيًا مستدامًا في حياة الآخرين. لذا، فإن السعي الدائم لاكتساب المعرفة والخبرة هو السبيل الأمثل لنكون قدوة حقيقية ومصدرًا موثوقًا للدعم، يعزز من تماسك المجتمع ويقوده نحو مستقبل أكثر ازدهارًا.

 

د. علي الحازمي
‏@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop