مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

فضول يتجاوز الحد..

هناك أسئلة لا تُقال بدافع الفهم، بل بدافع العادة. سؤال يُرمى في كل مجلس، كأنه مفتاح جاهز يفتح حياة كاملة دون استئذان: “ليه ما تبين تعرسين؟” سؤال يتكرر؛ ولا ينتهي.
لا يُطرح أحيانًا بحثًا عن إجابة، بل كحكمٍ مسبق، وكأن على المرأة أن تُبرّر قرارها، رغبتها، أو حتى صمتها.

المزعج في هذا السؤال ليس كلماته فقط، بل إصراره على اختزال حياة كاملة في قرار واحد. كأن المرأة لا تملك إلا طريقًا واحدًا، وإن توقفت أو اختارت الابتعاد، صارت مطالبة بالشرح. ومع تكراره، يتحوّل السؤال من فضول إلى ضغط، ومن ضغط إلى افتراضات. ثم تبدأ القصص تُنسج: “أكيد في أحد”، “أكيد عندها مشكلة ، “أكيد رافضة لأسباب غير مفهومة”.

والحقيقة أبسط من كل هذا الضجيج:
بعض القرارات لا تحتاج إعلانًا، وبعض المراحل لا تحتاج تفسيرًا للآخرين. الرغبة أو عدمها ليست مادة للنقاش اليومي، وليست بابًا مفتوحًا لكل عابر يسأل.

أحيانًا، أعمق إجابة يمكن أن تُقال ليست دفاعًا؛ بل صمتٌ أنيق يقول: هذا أمر يخصني وحدي. وفي بعض المجالس الاجتماعية، تختلط المجاملة بالفضول، ويتحول الحديث من تبادل بسيط للكلام إلى تتبّع لحياة الآخرين والتدخل في تفاصيلهم، وكأن حياة الإنسان أصبحت شأنًا عامًا يُناقش بلا حدود.

تبدأ القصة بأسئلة تبدو عادية؛ لكن مع تكرارها، يتحول السؤال من فضول إلى ضغط وانتهاك للخصوصية، ومن ثم إلى افتراضات، إلى أحاديث جانبية لا تنتهي خلف الظهر.(الغيبة والنميمة).
الأكثر إزعاجًا في هذا السلوك أنه يخلق حالة من عدم الراحة، تدفع البعض إلى الانسحاب أو تقليل تفاعلهم الاجتماعي، ليس كرهًا للناس، بل حمايةً لخصوصيتهم من التطفل المتكرر.

ومع الوقت، يصبح الحل الوحيد للبعض هو تقليل الكلام، واعتماد “الكلام العام” بدل التفاصيل، ووضع حدود واضحة تمنع الدخول في الحياة الشخصية، لأن التجربة علمتهم أن الإفراط في الثقة قد يتحول إلى مادة للنقاش بين الآخرين.

في بعض البيئات الاجتماعية، لا يتوقف الفضول عند حدود المجاملة أو تبادل الحديث الخفيف، بل يتسلل تدريجيًا إلى تفاصيل الحياة الشخصية، حتى يصبح الإنسان وكأنه مساحة مفتوحة للآخرين، يُسأل عن كل شيء ويُتوقع منه الإجابة دون تحفظ.
يبدأ الأمر بأسئلة تبدو بسيطة؛ لكنها سرعان ما تتحول إلى سلسلة لا تنتهي من التتبع والتعليق والتكرار، وتفتح بابًا كاملًا من التدخل المزعج.

هذا النوع من الفضول لا يكتفي بالمعلومة، بل يسعى لما بعدها: التفاصيل، التحليل، وإعادة طرح الأسئلة نفسها مرارًا، حتى يشعر الطرف الآخر بأن حياته لم تعد خاصة، بل مادة للنقاش المتداول.

ومع الوقت، لا يصبح الحل هو الإجابة، بل الصمت. صمتٌ ناتج عن إدراك أن كثرة التوضيح لا تُشبع الفضول، بل تزيده.

وهنا يبدأ الإنسان في رسم حدوده بطريقته الخاصة: كلام أقل، تفاصيل أقل، ومسافة أكبر بينه وبين من لا يحترم خصوصيته.

في المقابل، يبقى السؤال الأهم:
هل هذا الفضول له علاقة بانعدام التعليم والثقافة؟ حيث لاحظت أن هذا السلوك ينتشر بين كبيرات السن غير المتعلمات على عكس هذا الجيل الذي أصبح أقل فضولاً واهتماماً في مسائل كهذه بالإضافة إلى أنهم أقل حديثاً وأكثر خصوصية ولديهم عالمهم الخاص.

 

هيا الدوسري
‏@HAldossri30
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop