ليس الخطأ هو ما يضعف الإنسان، بل الإصرار عليه. فالبشر بطبيعتهم يخطئون؛ يتخذون قرارات متسرعة، أو يسيئون التقدير، أو تغلبهم لحظة ضعف فيسلكون طريقًا لم يكن الأصوب. غير أن الفارق الحقيقي بين إنسان ينضج وآخر يظل عالقًا في دائرة التكرار، هو قدرته على الوقوف أمام نفسه بصدق والاعتراف بأن ما حدث لم يكن صوابًا.
إن مواجهة الخطأ ليست سهلة كما قد تبدو، لأن الإنسان حين يراجع نفسه لا يواجه الفكرة وحدها، بل يواجه شيئًا أعمق في داخله؛ يواجه كبرياءه.
ولهذا يستمر كثير من الناس في الدفاع عن مواقفهم حتى بعد أن يدركوا في داخلهم أنها لم تكن صائبة. فالتراجع في نظر البعض يبدو ضعفًا، بينما الحقيقة أنه علامة وعي ونضج.
العقلاء عبر التاريخ أدركوا أن الإنسان لا يكبر حين يصر على رأيه، بل حين يمتلك القدرة على مراجعته. فالرأي قد يتغير، والظروف قد تكشف جوانب لم تكن واضحة في البداية، ومن الحكمة أن يملك الإنسان المرونة الكافية ليعيد النظر في قراراته كلما اكتشف أنه ابتعد عن الصواب.
المشكلة لا تبدأ عند الخطأ نفسه، بل عند محاولة تبريره. فالخطأ حين يُبرَّر يتحول من موقف عابر إلى عادة في التفكير، ومع مرور الوقت يفقد الإنسان حسّ المراجعة الصادقة، ويصبح الدفاع عن نفسه أهم لديه من البحث عن الحقيقة.
وهنا يبدأ الخطأ الصغير في التمدد حتى يصبح جزءًا من السلوك وطريقة النظر إلى الأمور.
والإنسان الناضج لا يرى في التراجع عن الخطأ انتقاصًا من مكانته، بل خطوة نحو فهم أعمق للحياة. فالتجارب التي نمر بها، بما فيها من صواب وخطأ، هي التي تبني وعينا وتمنحنا القدرة على اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل.
ومن يتأمل مسيرة الناس سيجد أن أكثرهم احترامًا ليسوا أولئك الذين لم يخطئوا، بل أولئك الذين عرفوا كيف يتوقفون عند أخطائهم ويتعلمون منها. فالخطأ قد يكون درسًا قاسيًا، لكنه يصبح أكثر قسوة حين يرفض الإنسان أن يتعلم منه.
وفي النهاية، لا يقاس نضج الإنسان بعدد المرات التي كان فيها على صواب، بل بقدرته على أن يقول في الوقت المناسب: لقد أخطأت. فالتراجع عن الخطأ ليس هزيمة كما يظن البعض، بل شجاعة لا يملكها إلا من كان صادقًا مع نفسه. ولهذا تبقى القدرة على مراجعة الذات والتخلي عن الخطأ حين يتضح، واحدة من أصدق علامات الوعي… بل هي في جوهرها فضيلة التراجع.
سعاد الغامدي
@Vip2009Sf
عضو جمعية إعلاميون