مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

في الفرح.. من يتفقد القلوب؟

في أوقات الأفراح، تستعد كل أسرة لالتقاط الصورة العائلية المعتادة؛ ثياب جديدة، وهدايا أنيقة، وابتسامات جاهزة للكاميرا. بيتٌ امتلأ بكل مظاهر الفرح؛ حيث يقف الأب يطلب من الجميع الاقتراب أكثر؛ فاقتربت الأجساد، لكن بعض القلوب تبقى بعيدة.

هذه ليست قصة أسرة واحدة؛ إنها واحدة من مفارقات عصرنا الأكثر هدوءًا والأشد تأثيرًا؛ فكلما ازدادت قدرتنا على توفير الأشياء لأبنائنا، أصبحنا أكثر حاجة إلى التوقف قليلًا لنسأل: هل يشعر أبناؤنا بما نقدمه لهم من حب كما نشعر نحن به؟ فلقد نجحت الأسر الحديثة في توفير كثير من مقومات الحياة؛ بيوت أكثر راحة، وتعليم أفضل، وفرص أوسع.. لكن التحدي الحقيقي لم يعد في توفير الاحتياجات المادية، بل في حماية الروابط الإنسانية من التآكل البطيء الذي تصنعه السرعة والانشغال والشاشات. فالطفل لا يبحث فقط عن الطعام والملبس والتعليم؛ إنه يبحث عن الشعور بأنه مرئي، ومسموع، ومفهوم، ومحبوب.

وفي زمن تتنافس فيه الأجهزة على انتباه أبنائنا، أصبحت جودة الحضور أهم من عدد الساعات التي نقضيها معهم؛ فقد يجلس الأب في المنزل ساعات طويلة، بينما يبقى بعيدًا عن عالم ابنه.

وقد تقضي الأم يومها مع أبنائها، دون أن تصل إلى ما يدور في أعماقهم. إن الحضور الجسدي لا يعني دائمًا حضورًا عاطفيًا. وهنا تظهر مشكلة لا يلتفت إليها كثيرون، وهي ما أسميه «الفقر العاطفي المقنّع».

ذلك النوع من الحرمان الذي لا يظهر في حجم المنزل، ولا في قيمة الهدايا، ولا في الصور التي ننشرها في المناسبات. فمن الخارج تبدو الحياة مكتملة؛ لكن في الداخل قد يعيش بعض الأبناء شعورًا عميقًا بالوحدة؛ وقد يمتلكون كل شيء تقريبًا.. إلا علاقة تمنحهم الطمأنينة.

ولهذا لا تبدأ كثير من العلاقات المؤذية بالحب؛ بل بالاحتياج. ولا تبدأ كثير من الصداقات السامة بالقناعة؛ بل بالفراغ. فالإنسان بطبيعته يبحث عن المكان الذي يشعر فيه بالقبول والانتماء. وعندما لا يجد هذا الشعور قريبًا منه، قد يبحث عنه بعيدًا.

في الأفراح تتجلى هذه الحقيقة أكثر من أي وقت آخر؛ فنحن نتفقد البيوت، ونتفقد الملابس، ونتفقد الهدايا؛ لكننا ننسى أحيانًا أن نتفقد القلوب.

هل يشعر أبناؤنا أنهم محبوبون؟ هل يعرفون أن قيمتهم لا ترتبط بإنجازاتهم فقط؟ هل يسمعون كلمات التقدير بقدر ما يسمعون التوجيه؟ هذه الأسئلة قد تكون أهم من أي هدية تُشترى؛ لأن الذاكرة الإنسانية لا تحفظ الأشياء كما تحفظ المشاعر؛ فالأبناء لا يتذكرون كل ما أنفقناه عليهم؛ لكنهم يتذكرون من استمع إليهم، ومن آمن بهم، ومن بقي إلى جوارهم حين تعثروا.

وفي نهاية المطاف، لن تكون أعظم هدية نقدمها لأبنائنا مالًا أو عقارًا أو شهادة؛ بل قلبًا آمنًا، وبيتًا يشعرون داخله أنهم محبوبون دون شروط.

لذلك.. بينما نستعد للفرح، ونرتب البيوت، ونلتقط الصور الجميلة؛ فلنتذكر أن هناك شيئًا يستحق التفقد أيضًا، وهي «القلوب». فالبيوت لا تحفظها الجدران، والأسر لا تحفظها الصور، والعلاقات لا تحفظها الهدايا؛ إنما يحفظها الحب الصادق، والحضور الحقيقي، والشعور بالأمان.

فما أجمل أن ينتهي الفرح، ويبقى في ذاكرة أبنائنا شعور واحد لا يبهت مع الزمن: «كنت محبوبًا… قبل أن أكون ناجحًا».

 

د. نوف التويجري
@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop