مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

قاعات الأعراس.. والرقابة الغائبة!؟

في قاعات الأعراس، قد تُفحص الزهور بعناية، وتُراجع الطاولات بدقة، وتُضبط الإضاءة حتى آخر تفصيلة… لكن ما يدخل إلى أفواه الناس كثيرًا ما يمرّ بلا سؤال كافٍ.

وهنا لا نتحدث عن تفصيل اجتماعي صغير، بل عن مسؤولية عامة. لأن الشاي، والقهوة، والعصائر، والمياه، والحلويات، والطعام الذي يُقدَّم في هذه المناسبات ليس مجرد “ضيافة” تُجمّل المشهد، بل مواد تدخل مباشرة إلى أجساد الناس، ويجب أن تُعامل – نظامًا ووعيًا – على هذا الأساس.

المشكلة أن هذا الملف، على حساسيته، لا يزال في بعض الحالات يتحرك داخل منطقة رخوة بين المظهر المنظم والضبط الغائب. كل شيء قد يبدو أنيقًا من الخارج، لكن السؤال الجوهري يبقى معلقًا: من الذي يُعدّ ويقدّم ما يُشرب ويُؤكل؟ وهل من يقوم بذلك نظامي أصلًا؟ وهل يحمل شهادة صحية سارية؟ وهل توجد جهة تتحقق من سلامة ما يُقدَّم، لا من شكله فقط؟

هذه ليست أسئلة مبالغًا فيها، بل هي الحد الأدنى من المسؤولية حين يتعلق الأمر بمناسبة قد تضم في ليلة واحدة مئات الضيوف، بينهم أطفال، وكبار سن، ومرضى، ونساء حوامل. والخطر هنا لا يكمن فقط في احتمال وجود مخالفة، بل في أن يتحول غياب التحقق إلى أمر اعتيادي، وأن تُدار بعض التفاصيل المرتبطة بصحة الناس تحت مظلة ثقافة قديمة تختصر كل شيء في عبارة: “تمشي الأمور”.

وهنا تتضح المشكلة الكبرى بوضوح:
غياب منظومة رقابية صحية ورقمية صارمة تُعنى بما يُقدَّم داخل قاعات الأعراس، وتتحقق من نظامية العاملين، وسلامة ما يُقدَّم، وكفاءة الجهة القائمة على هذه الخدمة.

أما المشكلة الأصغر – وهي الأخطر عمليًا – فهي أن دخول مقدّم الخدمة، أو الطعام، أو الشراب إلى القاعة لا يرتبط دائمًا بآلية تحقق إلزامية ومسبقة. بمعنى أبسط: ما الذي يمنع اليوم من وجود نظام واضح يُلزم قاعات الأعراس بألا تسمح بدخول أي شركة ضيافة، أو عاملات، أو عاملين، أو أي منتج غذائي أو شرابي، إلا بعد التحقق الفوري من الشهادات الصحية، وسلامة ما يُقدَّم، والوضع النظامي للجهة والعاملين؟

إن ما يحتاجه هذا الملف ليس مجرد تشديد عابر في الرقابة، بل إعادة تنظيمه من الجذور. فالحل لا يبدأ بعد وقوع الخطأ، ولا بعد الشكوى، بل يبدأ قبل ذلك كله: عند بوابة القاعة.

من هنا، يصبح من الضروري أن تُلزم قاعات الأعراس بعدم السماح لأي مقدم خدمة ضيافة بالدخول أو التقديم، إلا بعد استيفاء متطلبات صحية ونظامية موثقة، تشمل:
وجود شهادات صحية سارية لجميع العاملين والعاملات، وتقديم ما يثبت جودة وسلامة ما يُقدَّم من طعام وشراب، والتحقق من أن الجهة المقدمة للخدمة مرخصة وتعمل ضمن الأطر النظامية المعتمدة، وأن يرتبط كل ذلك بمنظومة رقمية موحدة تحت مظلة الدولة، تربط بين القاعة، ومقدم الخدمة، والعاملين، والجهات الرقابية، بحيث لا يُسمح بأي ممارسة خارج هذا الإطار المنظم.

لأن سلامة الإنسان لا يجب أن تُترك للانطباع، ولا للمجاملات التشغيلية، ولا للثقة الشفهية، بل يجب أن تُدار عبر نظام واضح، ورقابة ذكية، ومسؤولية لا تتساهل مع ما يدخل إلى أجساد الناس.

وفي دولة جعلت الإنسان محور التنمية، ورفعت من جودة الحياة، وأكدت أن الكرامة والسلامة ليستا تفصيلًا، يصبح من غير المقبول أن تبقى بعض الخدمات المرتبطة بالمناسبات الخاصة أقل من مستوى الحوكمة الذي يليق بهذا التحول الوطني.

فالدولة لا تملك أثمن من الإنسان.
هو الثروة الحقيقية التي تُبنى لأجلها الأنظمة، وتُصاغ من أجلها السياسات، وتُشدد من أجله الرقابة. ولهذا، فإن أي خدمة تمسّ صحة الإنسان – مهما بدت بسيطة – يجب ألا تُترك للاجتهادات الفردية أو لمنظومة “تمشي الأمور”، بل يجب أن تكون مرتبطة بمنظومة دولة تعرف أن بعض صور الحماية تبدأ من التفاصيل.

لأن الخطر، حين يغيب التحقق، قد يأتي أحيانًا أكثر أناقةً من أن يُرى؛ ولكن السؤال يبقى: من يراقب ما يدخل إلى أفواه الناس في قاعات الأعراس؟ لأن بعض الأخطار لا تبدأ من مطبخ كبير؛ بل من فنجان قهوة قُدِّم بلا رقابة.

 

د. نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop