مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

قبل أن يكون الإعلام رسالة

في زمن تتسابق فيه الدول على صناعة تأثيرها وتُشكَّل فيه الانطباعات العالمية خلال ثوانٍ، لم يعد الإعلام مجرد رسالة تُنقل عبر الأثير. لقد تجاوز دور الناقل المحايد ليصبح رؤية تُبنى على أسس استراتيجية، وقيماً تُغرس في وعي الجمهور قبل أن تصل إلى شاشاته. فالقوة الناعمة اليوم لا تُقاس بعدد القنوات الفضائية ولا بحجم الميزانية الإنتاجية، وإنما بقدرة الإعلام على تمثيل هوية وطنه وقيمه على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وتحويل هذه القيم إلى تأثير مستدام يصمد أمام اختبار الزمن.

وفي قلب هذا التحول يقف الإعلام السعودي اليوم، وهو يشهد في ظل قيادة معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري مرحلة انتقالية جوهرية. لم يعد دوره مقتصراً على نقل الخبر أو التفاعل مع الحدث، وإنما أصبح شريكاً فاعلاً في صناعة الأثر، ومبادراً في صياغة الرواية السعودية للعالم. وهذا ما أكده معاليه بوضوح خلال افتتاحه ملتقى الإعلام السعودي في فبراير من هذا العام، حين قال، ونقلت تصريحه وكالة الأنباء السعودية، إن الإعلام شريك في صناعة المستقبل وليس راوياً للماضي فقط، وأن المرحلة تتطلب إعلاماً يملك المبادرة ويستبق التحولات.

إن الإعلام الذي لا تحركه رؤية وطنية واضحة يتحول مع الوقت إلى صدى لأصوات الآخرين، يردد ما يُملى عليه بدل أن يصنع أجندته الخاصة. أما الإعلام القائم على رؤية، فهو الذي يحدد قواعد اللعبة. وهذا بالضبط ما جسدته المملكة عبر رؤية 2030، حين جعلت من المجتمع الحيوي والاقتصاد المزدهر والوطن الطموح مرتكزات لا تنفصل عن خطابها الإعلامي. فلم تعد الرسائل الإعلامية منفصلة عن المستهدفات الوطنية، وإنما أصبحت امتداداً طبيعياً لها.

والتجربة العالمية تؤكد هذا المنطق. فهيئة الإذاعة البريطانية BBC لم تحافظ على مكانتها لأنها الأقدم، وإنما لأنها تملك ميثاق قيم تحريرية صارماً يجعل المصداقية فوق السبق. وقد كشف تقرير معهد رويترز للصحافة بجامعة أكسفورد لعام 2024 أن BBC لا تزال تتصدر ثقة الجمهور عالمياً بنسبة بلغت 62%، والسبب الجوهري هو ربطها الدائم بين الخبر والقيمة: الدقة، والحياد، والمصلحة العامة.

وإذا انتقلنا إلى الواقع السعودي، نجد أن القيم أصبحت هي العملة الصعبة للإعلام الجديد. على المستوى المحلي، لم تعد قنوات مثل SBC والإخبارية ومنصات مثل SHAHID تكتفي بدور الترفيه أو نقل الأخبار. لقد تحولت إلى منصات ترسّخ القيم السعودية بلغة عالمية حديثة. تشمل هذه القيم الوسطية، والتسامح، وتمكين المرأة، والاعتزاز بالهوية. وتوضح بيانات التقرير السنوي للهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع لعام 2023 أن 78% من المحتوى المحلي المنتج خلال العام تضمن رسائل مباشرة مرتبطة بمستهدفات رؤية 2030 والقيم الوطنية. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، وإنما مؤشر على تحول استراتيجي في عقلية صانع المحتوى السعودي.

أما على المستوى الإقليمي، فقد نجح الإعلام السعودي في قيادة سردية الاعتدال في منطقة أنهكتها خطابات التطرف. قناتا العربية والحدث قدمتا نموذجاً لإعلام يضع قيمة الحقيقة فوق الإثارة، مما جعلهما مصدراً معتمداً لوكالات الأنباء العالمية أثناء الأزمات الكبرى. لقد أصبحتا مرجعاً للتوازن في وقت كانت فيه المنطقة أحوج ما تكون إلى صوت عقلاني.

وعلى الصعيد الدولي، لم تعد المملكة تكتفي بدور المستهلك للمحتوى العالمي، وإنما دخلت بقوة إلى ساحة الإنتاج والتأثير. مشاريع مجموعة MBC الضخمة، واستضافة كأس العالم للألعاب الإلكترونية، وتنظيم قمة الرياض للإعلام، كلها شواهد على تحول المملكة من متلقٍ إلى مصدر للقيم. وقد وثّق هذا التحول مؤشر القوة الناعمة العالمي الصادر عن Brand Finance لعام 2024، حيث قفزت السعودية ثمانية مراكز في مؤشر التأثير الإعلامي لتصبح ضمن أقوى عشرين دولة في العالم. وأرجع التقرير هذا التقدم إلى سبب رئيسي هو وضوح رسائلها القيمية المرتبطة بالتنمية والانفتاح والشراكة مع العالم.

لكن التحدي الأكبر الذي يواجه الإعلام الدولي اليوم هو ما يمكن تسميته فخ الرسالة بدون قيم. فكثير من المؤسسات الإعلامية الكبرى تسقط في اختبار المصداقية لأنها تلهث خلف الترند وتتخلى عن بوصلتها القيمية. وقد أظهر مقياس إيدلمان للثقة لعام 2024 حقيقة صادمة: 63% من الجمهور العالمي لم يعودوا يثقون في أي وسيلة إعلامية لا تفصح بوضوح عن قيمها ومصالحها. الجمهور اليوم أذكى، ويسأل قبل أن يصدق: من أنتم، وماذا تمثلون؟

من هنا تبرز أهمية نموذج التكامل الإعلامي السعودي، وهو نموذج يمكن اختصاره في ثلاثة مرتكزات: رؤية موحدة تجعل كل منصة إعلامية تعرف دورها بدقة في خارطة الرؤية 2030، وقيم ثابتة لا تتغير هي المصداقية والوطنية والإنسانية والابتكار، وخطاب متعدد الذكاء يخاطب المحلي بلغته، والإقليمي باهتماماته، والدولي بمنطقه. هذا النموذج هو السر وراء النجاح العالمي لمشروع وثائقي مثل “رحلة” على منصة SHAHID. فلم ينجح لأنه صُور باحترافية فقط، وإنما لأنه قدم قيمة الإنسان السعودي وتاريخه وطموحه بقالب سينمائي يفهمه العالم.

معالي وزير الإعلام الأستاذ سلمان الدوسري، إن الإعلام في عصرنا هذا لم يعد تابعاً للسياسة أو الاقتصاد. لقد أصبح هو واجهة القيم التي تُقاس بها الأمم وتُحترم بها الشعوب. عندما يكون الإعلام رؤية، فإننا لا نكتفي بنقل الخبر، وإنما نبدأ بصناعة المستقبل. وعندما يكون الإعلام قيماً راسخة، فإننا لا نخاطب عقول الناس فقط، وإنما نكسب قلوبهم وثقتهم.

إن المملكة اليوم، بما تملكه من رؤية طموحة وقيادة إعلامية واعية، لا تكتفي بأن تكون في قلب الإعلام الجديد. لقد قررت أن تقود من صميمه. أن تكون هي من يحدد معاييره، وأن تقدم للعالم نموذجاً لإعلام يجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الهوية والانفتاح. لتقول للعالم أجمع: هذه هي قيمنا التي نؤمن بها، وهذا هو وطننا الذي نفخر به، وهذه هي رسالتنا القيمية التي نقدمها للإنسانية.

 

د. علي الحازمي
‏@consultant1st
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop