مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

قراءة إعلامية.. في التناقضات الإقليمية

في العلاقات الإقليمية، لا تنبع التحديات دائمًا من الخصومات المعلنة أو الصراعات المباشرة، بل كثيرًا ما تتشكل من ممارسات تصدر عن أطراف تُقدَّم بوصفها شركاء، وتستخدم خطابًا وديًا يوحي بالتقارب، بينما تعكس أفعالها على الأرض مسارات مغايرة. ففي السياسة، كما في غيرها من المجالات، قد يكون الخطر كامنًا في التناقض بين القول والفعل، لا في العداء الصريح.

خلال السنوات الأخيرة، برز نمط من الحضور الإقليمي يعتمد على عناوين جذابة مثل الشراكة، الاستثمار، أو دعم الاستقرار، غير أن نتائجه العملية أفضت في عدد من الساحات العربية إلى تعقيد الأزمات بدل احتوائها. فقد جرى في أكثر من حالة الانخراط مع أطراف محلية خارج إطار الدولة الوطنية، أو تعزيز انقسامات قائمة، ما أضعف المؤسسات الشرعية، وأطال أمد الصراعات، وأربك الجهود المشتركة الرامية إلى استعادة الاستقرار.

وفي مناطق تشكل عمقًا استراتيجيًا للأمن العربي، كان لهذا النمط من السلوك أثر واضح في إضعاف فرص التسوية السياسية. فبدل توحيد الصفوف خلف مؤسسات الدولة، أُدخلت حسابات النفوذ والمنافسة غير المعلنة، ما حوّل بعض الأزمات إلى ساحات صراع طويلة الأمد، تتحمل كلفتها الشعوب قبل الحكومات. كما اتخذ الحضور الإقليمي في بعض المناطق طابعًا اقتصاديًا أو تنمويًا في الشكل، لكنه أسفر في المضمون عن بناء نفوذ أمني وعسكري أخلّ بالتوازنات الإقليمية، وفتح الباب أمام توترات إضافية.

ومع تكرار هذه الممارسات، بات من الصعب تفسيرها على أنها مجرد أخطاء تقدير أو سياسات ظرفية. إذ تشير استمراريتها إلى نهج يقوم على تحقيق مكاسب آنية، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار دول شقيقة أو تماسك منظومة العمل العربي المشترك. هذا النهج، بطبيعته، يقوّض الثقة المتبادلة، ويضعف مفهوم الشراكة الإقليمية، ويجعل من التعاون المعلن إطارًا شكليًا أكثر منه التزامًا فعليًا.

في المقابل، برزت مقاربة مختلفة في إدارة الأزمات، تقودها الرياض بقيادتها الحكيمة وإداراتها الواعية المحبة للخير والتي تقوم على تحمّل المسؤولية الإقليمية، ودعم مفهوم الدولة الوطنية، والعمل على حلول طويلة الأمد لا تعتمد على أدوات النفوذ المؤقت أو توظيف الفوضى. وهي مقاربة تحملت أعباء سياسية واقتصادية كبيرة، لكنها استندت إلى قناعة راسخة بأن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر مراكز قوى موازية، ولا عبر تحالفات متقلبة، بل من خلال مؤسسات شرعية وقرار وطني مستقل.

إن التباين بين الخطاب الذي يرفع شعارات الاعتدال والتسامح، وبين الممارسات التي تسهم في تعميق الأزمات، يظل أحد أبرز التحديات أمام النظام الإقليمي العربي. فالمصداقية في السياسة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُترجم على الأرض، وحين يغيب هذا الاتساق، تصبح الشراكات محل تساؤل مهما بدت عناوينها جذابة.

ختامًا، تُظهر التجارب الإقليمية أن التاريخ يحتفظ بأثر من اختار طريق البناء والاستقرار، كما لا يغفل عن أولئك الذين راهنوا على إدارة الأزمات من خلف ستار الخطاب الإيجابي. وفي هذا السياق، يظل الاستثمار في التنمية، وتعزيز الدولة الوطنية، وتغليب منطق الاستقرار طويل الأمد، هو نهج وسياسة المملكة العربية السعودية، وهو الرد الأكثر فاعلية على سياسات الغموض والتناقض في الإقليم.

 

أ. خالد المسندي
anazi_85@
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop