ذات صباحٍ باردٍ من تلك الصباحات التي تشعر فيها أن روحك تحتاج إعادة تشغيل، صحوتُ وأنا لا أحمل رغبةً لشيء سوى الهدوء.
نظرتُ إلى هاتفي إلى تلك الغابة الإلكترونية التي كانت تزدحم فيها الأصوات والعتب والمزاح الثقيل، والرسائل التي تتسلل آخر الليل لتوقظ فيك شيئًا لم تطلبه.
فجأة وبلا تردد قررت أن أغادر، أن أخرج، وأن أترك كل القروبات التي كنت فيها.
كنت منضمًّا ـ أو بالأصح “مُقحَمًا” ـ في أكثر من خمسة وثلاثين قروب. قروبات دخلتها مجاملة أو سحبك إليها صديق أو أصرّ قريب ثم اكتشفت أنك في كل واحد منها تضع جزءًا من وقتك وصبرك وهدوئك على طاولة ليست لك.
قروبات لا تحمل لونًا واحدًا بل خليطًا من ثقافات مختلفة وعقول متفاوتة، وطبائع حادّة وحالات نفسية تتقلب مع ساعات اليوم.
ومع وجود “أصحاب الحساسية العالية” يصبح الحديث كأنك تمشي في حقل ألغام ،خطوة خاطئة وتنفجر مشكلة.
تركتها جميعًا واستبقيت فقط قروب عائلتي الصغيرة وقروبات عملي التي لا تحتمل دلعًا ولا زعلًا.
قروبات رسمية لها قوانين ومشرفون وحدود واضحة. اختلافاتها سهلة تُحلّ بالصمت أو بإيقاف النقاش أو بتذكير الجميع بالهدف.
لا أحد يتحسس ولا أحد يتوقع منك أن تكون مبتسمًا الليلة بأكملها. لكن قروبات الأصدقاء والجيران والأقارب، هذه هي المعارك الحقيقية، التعامل معها يحتاج حذرًا يشبه حذر السير بين المرايا، فيها آدابٌ لو أهملتها انكسر شيء لا يمكن جمعه. فمن الأدب إذا طرح أحدهم مشاركة بسيطة أن تتفاعل ولو بإيموجي صغير فالتجاهل عند أصحاب الحساسية يُعتبر طعنة.
ومن الأدب إذا وُجّه لك سؤال أو نقاش مباشر ألا تتجاهل، لأن التجاهل هنا ليس صمتًا بل موقف، وإذا كنت في قروب وتريد عزيمة فلا تجرّح الآخرين بتوجيهها لأشخاص معيّنين أمام البقية فهذه قلة مروءة وتترك شرخًا لا يلتئم.
وأخطر ما يفسد القروبات هو الشلليّة، ردود موزّعة بالولاءات ودعمٌ انتقائي ونقاشات تُدار وكأنها فرق متقابلة، هذه تخلق تحسّسات صامتة وتلغي روح الجماعة.
ومن الأدب أيضًا الترحيب بأي عضو جديد وعدم سرقة الضوء من إنجاز أحد الأعضاء ،فإذا أعلن عن نجاح أو خبر جميل فلا تكسر فرحته بصمتك فالصمت وقت الفرح جفاء. وإذا طرح أحدهم فكرة للنقاش فلا تقفز بموضوع آخر وكأنك تقول له “موضوعك ما يستحق”.
والأهم حسن الظن، فالناس خلف الشاشات ظروف لا نراها ،ونفسيات تمر بليالٍ صعبة وعقول مرهقة.
لذلك لا تكن مملًاولا تستحوذ على المساحة ولا تخرج عن خط القروب وهدفه.
ضع بصمتك، امدح، اشكر، شارك بقدر استطاعتك واترك المجال لغيرك، والأهم ألا تدخل قروبًا لا تملك فيه ما تمنحه، ليست كل الدعوات تُقبل، اكتفِ بقروبات العمل وقروب العائلة الصغيرة فالقروبات الكبيرة بابٌ تأتي منه الريح.
من خلال تجربتي ومراقبتي اكتشفت أن كثيرًا من مشاكل العوائل والأصدقاء تبدأ من القروبات، كلمة لم تُفهم أو صمت أُسيء تفسيره أو مزحة خرجت عن مسارها، وهناك قضايا وصلت حد القطيعة بل وحتى الجرائم، ولا ننسى قصة ذلك الرجل الذي دخل في خلاف عبر قروب مع قريبه فاشتد النقاش حتى زاره في بيته، وانتهى الأمر بجريمة هزّت الجميع.
في النهاية القروبات مرآة للنوايا ومضخم للمشاعر وساحة تتقاطع فيها الحساسيات أكثر من الآراء.
فاختر سلامك واحمِ قلبك وخفّف حضورك، فالهدوء مكسب والعزلة أحيانًا رفاهية يجب أن تُصان.
وما أجمل قول الشاعر:
(وما الناس الا عابرون باعين
تسيء اذا غاب الجميل وتحسن)
أو كما قال آخر:
(اذا بليت بجاهل متعسف
كن الفتى يحمي الفؤاد ويعذر).
أ. سعيد الأحمري
@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون