تحدَّثتُ وكتبتُ كثيرًا عن مختلف أشكال الدبلوماسيَّة العامَّة، من الثقافيَّة والرقميَّة والإعلاميَّة، إلى الرياضيَّة والإنسانيَّة والبيئيَّة وغيرها، ومع ذلك أجدني في كلِّ مرَّة أتناولُ فيها «الدبلوماسيَّة الدِّينيَّة»، أو «الدبلوماسيَّة العسكريَّة»، أتوقَّفُ قليلًا وبصورة مختلفة. ولعل هذا التوقُّف يعود إلى قلَّة تداول هذين المفهومَينِ مقارنةً بغيرهِمَا من فروع الدبلوماسيَّة العامَّة، وإلى الطبيعة الحسَّاسة لكلٍّ من الشأن الدِّينيِّ، والشأن العسكريِّ؛ ما يجعل وصفهمَا بأنَّهما قوَّةٌ ناعمةٌ، أو أداةٌ للتأثير الدوليِّ أمرًا يثير لدى البعض تساؤلات، أو تحفُّظات حول مدى ملاءمة هذا الوصف. فالدِّينُ يُنظر إليه عادةً باعتبارِهِ مجالًا مقدَّسًا لا ينبغي أنْ يقترنَ بأدوات الجاذبيَّة والتأثير الدبلوماسيِّ، بينما يُنظر إلى المجال العسكريِّ بوصفه تجسيدًا للقوَّةِ الصلبة التي لا تناسبها النُّعومة الكامنة في مفهوم «القوَّة النَّاعمة».
غير أنَّ ما قد يغيبُ عن البعض بهذا الشأن، هو أنَّ الدبلوماسيَّة الدِّينيَّة والدبلوماسيَّة العسكريَّة ليسا مصطلحَينِ طارئَينِ، أو تأويلات لغويَّة عابرة يمكن تجاوزهما، بل هما موضوعَانِ راسخَانِ يلامسَانِ صميم العلاقات الدوليَّة الحديثة، ويحظيَانِ باهتمامٍ واسعٍ في الجامعات والمراكز البحثيَّة المتخصصة حول العالم. ومن هنا تأتِي أهميَّة الحضور العربيِّ الجادِّ في هذا الحقل ونقاشاته؛ لأنَّ الغياب عنه لا يعني فقط ترك مساحات غير مكتشفة، بل السَّماح بتشكُّل فجوات معرفيَّة تُفسح المجال لتفسيرات غير دقيقةٍ، حول أدوات التَّأثير المعاصر، التي تعتمد عليها الدول في تفاعلاتها وعلاقاتها.
ويقوم مفهوم الدبلوماسيَّة الدِّينيَّة، في جوهره، على تعزيز القِيم الرُّوحية المشتركة، وبناء الجسور بين الثقافات والأديان. وفي هذا المجال تمتلك المملكة العربيَّة السعوديَّة مكانةً فريدةً تؤهلها للقيام بدورٍ فاعلٍ، فهي تضمُّ الحرمَين الشريفَين، وتقودُ العالمَ الإسلاميَّ، وتملكُ رصيدًا روحيًّا وأخلاقيًّا عميقًا، يجعل تأثيرها طبيعيًّا، وعابرًا للحدود. ويتجلَّى ذلك -على سبيل المثال لا الحصر- في المبادرات التي تُعزِّز الحوار بين أتباع الأديان والثَّقافات، وفي دعم الخطاب الدِّينيِّ المعتدل، والمشاركة في الجهود الدوليَّة الهادفة إلى مواجهة التطرُّف، وتعزيز التفاهم بين الشعوب.. هذه الممارسات تمنح البُعد الرُّوحي للدِّين حضورًا إيجابيًّا في الساحة الدوليَّة، وتجعل منه مصدرًا هامًّا من مصادر القوَّة النَّاعمة.
أما القوة الناعمة العسكرية، فهي الوجه الإنساني للمؤسسة الصلبة. فالمجال العسكري، رغم ارتباطه التقليدي بالردع والحسم، أصبح لاعبًا رئيسًا في الجهود الإنسانية والإغاثية، ومكافحة الإرهاب، وحماية المدنيين. وفي هذا السياق، قدَّمت المملكة كثيرًا من النماذج الحيَّة، شملت مؤخَّرًا عملية إجلاء المدنيِّينَ من السودان عام 2023، التي جسَّدت مزيجًا نادرًا من الاحتراف العسكريِّ، والبُعد الإنسانيِّ، الذي كان موضع إعجاب وتقدير عالميٍّ. كما ظهر الدور ذاته خلال كارثة الزلزال في تركيا وسوريا، حين عملت القوات السعوديَّة، بالتنسيق مع مركز الملك سلمان للإغاثة، على تشغيل جسور جويَّة عاجلة، وإرسال فرق إنقاذ ومساعدات طارئة، أسهمت في تخفيف المعاناة، وإنقاذ الأرواح. ويتكرَّر المشهد في جسر المساعدات الجويِّ السعوديِّ إلى لبنان، وإلى باكستان، وفي الدور البارز للمملكة في مكافحة التطرُّف والإرهاب، والتعاون الدولي لتعزيز أمن المنطقة والعالم.
وتؤكِّد كافَّة هذه النماذج، أنَّ القوَّة النَّاعمة ليست مقتصرةً على الثَّقافة، والمسرح، والفنون، والرياضة، وغيرها من جوانب الدبلوماسيَّة العامَّة التقليديَّة، بل تشمل كلَّ مَا يعكس قيم الدولة، ويُجسِّد إنسانيتها، ويُعزِّز مكانتها الدوليَّة. فالقوَّة في عالم اليوم، لا تُقَاس فقط بقدرة الدول على الحسم والردع، بل أيضاً بقدرتها على بناء الثقة، وصناعة القدوة، وتقديم الخير وقت الحاجة، ومن هنا يصبح فهم «القوَّة الناعمة الدِّينيَّة»، و»القوَّة النَّاعمة العسكريَّة» ضرورةً معرفيَّةً لفهم التحوُّلات الكُبْرى في مفهوم القوَّة في القرن الحادي والعشرين.
د. سعود كاتب
@skateb
عضو جمعية إعلاميون