مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

كيف نعيش رمضان؟

يمثِّل شهرُ رمضانَ أحد أركان الإسلام الخمسة، لكنَّه في الوعي السلوكيِّ ليس مجرَّد شعيرة زمنيَّة، بل دورة تدريبيَّة مكثَّفة لإعادة تشكيل العادات بشكلٍ سنويٍّ. فالصِّيام، الذي يمتدُّ في المتوسط بين 14 و16 ساعة يوميًّا في كثير من البلدان الإسلاميَّة، يضع الفرد أمام اختبار يوميٍّ لتأجيل الإشباع، وضبط الرَّغبات. وتشير أبحاث علم النَّفس السلوكيِّ إلى أنَّ القدرة على تأجيل المكافأة ترتبط بارتفاع مستوى الانضباط الذاتيِّ وتحسن القرارات الماليَّة والصحيَّة على المدى الطويل.

من المنظور الدينيِّ، يعزِّز رمضانُ مفهومَ «الرقابة الداخليَّة»؛ فالصَّائم يمتنع طوعًا عن المُباح قبل المحظور، ما يرسِّخ قيمة الأمانة مع الذات. هذا البُعد ينعكس اجتماعيًّا؛ إذ ترتفع وتيرة العمل الخيريِّ والتكافل. وتقدِّر مؤسسات خيريَّة أنَّ نسبةً معتبرةً من إجماليِّ التبرُّعات السنويَّة تُدفع خلال هذا الشهر، مدفوعة بروح التضامن والشعور بالمسؤوليَّة الجماعيَّة، وطمعًا في مضاعفة الأجر والثواب.

غير أنَّ المفارقة تكمنُ في أنَّ بعض المؤشِّرات الاستهلاكيَّة تسجِّل ارتفاعًا ملحوظًا خلال رمضان، سواء في الإنفاق الغذائيِّ، أو في ساعات السَّهر. وهنا يظهر التحدِّي السلوكي؛ هل يتحوَّل الشهرُ إلى موسم استهلاك مكثَّف، أم يبقى مساحةً لتخفيف الأعباء، وإعادة ترتيب الأولويَّات؟

تتضاعف أهميَّة هذا السؤال، في ظلِّ الحضور الطَّاغي للإعلام والترفيه. فالموسمُ الرمضانيُّ يشهدُ سنويًّا إطلاق عشرات الأعمال الدراميَّة والبرامج، وتتصاعد نسب المشاهدة في أوقات ما بعد الإفطار. تقارير استخدام الوسائط الرقميَّة تشير إلى أنَّ متوسط الوقت الذي يقضيه الفرد على الشاشات قد يتجاوز 6 إلى 7 ساعات يوميًّا، مع ذروة ملحوظة في رمضان. هذا التراكم الزَّمني يقتطع من فرص التأمُّل والعبادة والنَّوم المنتظم، ويؤثِّر في جودة التركيز والطاقة خلال النَّهار، ويربك الحياة اليوميَّة الطبيعيَّة.

لا يتعلَّق الأمر برفض الترفيه بوصفه نشاطًا إنسانيًّا مشروعًا، بل بإدارته بوعي. فالإفراط في التعرُّض للمحتوى السَّريع والمكثَّف يُعيد تشكيل أنماط الانتباه، ويغذِّي الاستهلاك العاطفي، ما قد يتناقض مع المقصد التربويِّ للشَّهر القائم على السَّكينة والاتِّزان. كما أنَّ «الخوارزميَّات الرقميَّة» صُمِّمت لإطالة زمن البقاء، لا لتعزيز المعنى والاستفادة والإفادة.

لذلك، فإنَّ عيش رمضان بوعيٍ يقتضي خطَّةً عمليَّةً، تُساهم في تنظيم أوقات «الشَّاشة»، وتحديد أولويَّات يوميَّة واضحة، وإعادة توزيع ساعات السَّهر والنَّوم، وتحويل التجمُّعات العائليَّة إلى فضاءات حوار وتراحم، لا مجرَّد متابعة جماعيَّة للمحتوى. الأسرة، بوصفها النواة الأولى للتنشئة، قادرة على خلق بيئة متوازنة تُعيد الاعتبار للمعنى الرمضانيِّ العظيم، وأنْ توجد إعادة ضبط رتم الحياة بشكل إيمانيٍّ وصحيٍّ.

رمضان، في جوهره، ليس انقطاعًا عن العالم، بل إعادة تعريف لعلاقتنا به؛ فهو تدريبٌ على الإرادة، ومراجعةٌ للعادات، وتعزيزٌ أخلاقيٌّ وسلوكيٌّ يمتدُّ أثره إلى ما بعد ثلاثين يومًا.

 

د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop