مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لا تبهرني الأضواء

في زمنٍ أصبحت فيه الأضواء مقياسًا للشهرة، وعدد المتابعين دليلًا على النجاح، وصخب الحضور معيارًا للقيمة، أجدني أقل انبهارًا بكل ما يلمع، وأكثر ميلًا للتأمل فيما يبقى.

لا تبهرني الأضواء، لأنها كثيرًا ما تكشف المظاهر وتخفي الجواهر. فقد رأيت أشخاصًا يملؤون المكان حضورًا، لكنهم يتركونه فارغًا من الأثر، ورأيت آخرين يعبرون بصمت، فيتركون في القلوب ما لا تتركه آلاف الكلمات.

لقد علّمتني الحياة أن البريق الحقيقي لا تصنعه الأضواء، بل تصنعه الأخلاق حين تتجلى في المواقف، والوفاء حين يثبت في أوقات الشدة، والصدق حين يصبح منهجًا لا استثناءً. فكم من شخص لم يعرفه الناس على نطاق واسع، لكنه كان عالمًا كاملًا من النبل والعطاء في محيطه الصغير.

الأضواء قد تُسلّط على الإنسان يومًا ثم تنصرف عنه في اليوم التالي، أما الأثر الطيب فيبقى حاضرًا في الذاكرة والوجدان. لذلك لم أعد أبحث عن المكان الأكثر ضجيجًا، بل عن المكان الأكثر صدقًا، ولم أعد أنظر إلى من يجيد الظهور، بل إلى من يجيد الحضور الحقيقي في حياة الآخرين.

إن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بعدد من يعرفونه، بل بعدد من لمسوا خيره، ولا بحجم التصفيق الذي يسمعه، بل بحجم الاحترام الذي يحظى به حين يغيب. فالأضواء قد تصنع شهرة، لكنها لا تصنع مكانة، وقد تمنح انتشارًا، لكنها لا تمنح محبة صادقة.

لهذا لا تبهرني الأضواء، بل يبهرني الإنسان الذي يظل وفيًا لمبادئه مهما تبدلت الظروف، والمتواضع مهما علت مكانته، والصادق مهما كثرت المغريات. هؤلاء هم الذين يتركون أثرًا لا يخفت، ونورًا لا يحتاج إلى مصابيح.

ففي نهاية المطاف، لا يبقى من الإنسان ما أضاء حوله، بل ما أضاء به قلوب الآخرين. وختاماً: “ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يسطع نورًا”.

 

فاطمة الجباري
‏@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop