يُعدّ التملّق من أكثر السلوكيات الإنسانية التباسًا فهو في ظاهره كلامٌ جميل، وفي باطنه قد يحمل نوايا متناقضة. يتشابه مع المدح في لغته، ويتقاطع مع المجاملة في شكله، لكنه غالبًا ما يُحاكم أخلاقيًا بوصفه نفاقًا اجتماعيًا. فهل التملّق مدحٌ مشروع؟
أم هو انحناء لغوي أمام المصالح؟
أم مجرد أداة اجتماعية لتمرير العلاقات؟
ليس كل كلامٍ جميل مدحًا، وليس كل ثناءٍ دليل احترام. في مجتمعاتنا، كثيرًا ما يُقدَّم التملّق بوصفه (لباقة) بينما هو في حقيقته مهارة للالتفاف على الصدق، وتجنّب المواجهة، وكسب المكاسب بأقل كلفة أخلاقية
لا يعيش في الكلمات، بل في النيّات. هو ذلك الثناء الذي يُقال في الغياب ويُسحب في أول اختلاف، ويُمنح لأشخاص لا لإنجازاتهم، ولمواقع لا لقيمها.
في هذه اللحظة تحديدًا، يتحوّل من مجرّد مجاملة إلى نفاق اجتماعي صريح، يُجمّل الخطأ ويمنح الرداءة حصانة وهمية.
المشكلة الحقيقية في التملّق أنه لا يخدع المتلقّي فقط، بل يُفسد المشهد العام. حين يُكافَأ التصفيق أكثر من الرأي، ويُستبدل النقد بالثناء المصنوع، تُقصى الكفاءة ويعلو الضجيج. تتراكم الأخطاء، لا لأن أحدًا لم يرها، بل لأن أحدًا لم يجرؤ على تسميتها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود منطقة رمادية؛ فبعض الناس يختارون المجاملة المبالغ فيها بدافع النجاة الاجتماعية، لا الخداع. لكن الفارق يبقى واضحًا بين كلمة تحفظ الود، وكلمة تُزيّف الحقيقة. الأولى سلوك إنساني مفهوم، والثانية تملّق مهما تلطف شكله
في النهاية، ليست القضية في جمال الكلام، بل في شجاعته. فالمجتمعات لا تنهض بالثناء، بل بالمسؤولية، ولا تُبنى بالأصوات المصفّقة، بل بالأصوات الصادقة حتى حين تكون غير مريحة.
قل لي رأيك دون مواربة
فأنا لا أنظر إليك بعدسةٍ مجرّدة
ولا أدّعي معرفة النوايا
حين يتسلّق أحدهم سلّم المديح..
أنت وحدك من يعلم
بأيّ لسانٍ تُحدّثني
هل هو لسان صدقٍ
أم لسانٌ كاذبٌ أفاق؟
أ. سمر سندي
@SamarSi_27
عضو جمعية إعلاميون