مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لماذا تخسر الأمم الحروب قبل أن تبدأ؟

حين يقرأ الإنسان القرآن بوعي يتجاوز القراءة التعبدية إلى القراءة الحضارية، يدرك أن القرآن لا يروي التاريخ لمجرد الحكاية، بل يكشف قوانين ثابتة تحكم حركة الأمم وصعودها وسقوطها عبر الزمن. ومن السور التي تكشف هذه القوانين بوضوح لافت سورة الأنفال.

نزلت هذه السورة بعد غزوة بدر، لكن من يتأملها بعمق يدرك أنها ليست مجرد رواية لمعركة في التاريخ الإسلامي، بل تقدم رؤية استراتيجية لفهم الصراع بين الأمم: كيف يبدأ، وكيف يُدار، ولماذا تنتصر أمم وتنهزم أخرى. ولذلك يمكن القول إن سورة الأنفال ليست فقط سورة حرب، بل خريطة وعي لفهم قوانين القوة والنصر والهزيمة في التاريخ.

القرآن يقرر حقيقة كبرى في حركة المجتمعات، وهي أن الصراع بين البشر ليس استثناءً في التاريخ، بل سنة كونية تحفظ توازن الأرض. يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. فالتدافع بين الأمم يمنع طغيان قوة واحدة ويجعل ميزان العدل قائمًا في حركة الحياة. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد صراع بين الأمم؟ بل السؤال الأهم: من الذي ينتصر في هذا الصراع؟

اللافت في سورة الأنفال أن الإجابة عن هذا السؤال تبدأ من الداخل قبل الخارج. ففي أول آية من السورة يأتي التوجيه الإلهي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾. وكأن القرآن يقرر قاعدة مهمة في فهم الصراعات: إن المعركة الحقيقية تبدأ داخل المجتمع قبل أن تبدأ في ساحة المواجهة. فالأمة التي يتنازع أهلها ويختلفون على المصالح والمكاسب لن تستطيع أن تقف صفًا واحدًا في مواجهة التحديات.

ولهذا تأتي في قلب السورة آية تختصر تاريخ سقوط الأمم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. هذه ليست موعظة أخلاقية فقط، بل قانون حضاري واضح. حين يتحول الخلاف الطبيعي إلى تنازع وصراع داخلي، تبدأ الأمة بفقدان قوتها وهيبتها. فالقوة لا تضيع فقط حين يُهزم الجيش، بل تضيع حين يتصدع الصف الداخلي ويضعف التماسك الاجتماعي.

ثم تأتي الآية التي أصبحت قاعدة استراتيجية في مفهوم الاستعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾. لكن القوة في القرآن ليست محصورة في السلاح وحده، بل هي مفهوم شامل يشمل كل ما يمنح الأمة قدرة على الردع والاستقرار. فالقوة قد تكون في العلم، أو في الاقتصاد، أو في الإعلام، أو في الوعي، أو في المعنويات. فالأمم لا تُهزم فقط حين تخسر سلاحها، بل حين تخسر وعيها بذاتها وثقتها بقدرتها على النهوض.

وتشير سورة الأنفال كذلك إلى بعد بالغ الأهمية في إدارة الصراعات، وهو البعد النفسي والمعنوي. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ﴾. هذه الآية تكشف أن الحالة النفسية للمجتمع قد تكون عاملًا حاسمًا في موازين القوة. فالمعنويات المرتفعة قد تصنع النصر، بينما الخوف والارتباك قد يهزمان أمة قبل أن تبدأ المعركة.

ثم يأتي توجيه آخر يكشف سرًا مهمًا في معادلة النصر، وهو الثبات. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. والثبات هنا لا يقتصر على ثبات الجنود في الميدان، بل يشمل ثبات المجتمع كله: ثبات العقول، وثبات المعنويات، وثبات الثقة بالله. فالمعركة في حقيقتها ليست صراع سلاح فقط، بل صراع إرادة وصبر.

ورغم أن سورة الأنفال تتحدث عن معركة، إلا أنها تؤكد أن الأصل في العلاقات بين البشر هو السلام إذا كان صادقًا ويحفظ الحقوق. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. فالقوة في الإسلام ليست دعوة للحرب، بل وسيلة لحفظ الاستقرار ومنع الظلم.

وبعد كل هذه القوانين التي تكشفها سورة الأنفال، يبقى سؤال مهم: كيف تنتصر أمة قليلة الإمكانات أحيانًا على أمة أكبر منها قوة وعددًا؟ يجيب القرآن عن ذلك بقاعدة عظيمة قال فيها الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.

فالتاريخ لا تحكمه الأرقام وحدها، ولا تُحسم المعارك بالقوة المادية فقط. بل ينتصر في النهاية من يملك الإيمان، والوحدة، والوعي، والصبر. ولهذا فإن الانتصار الحقيقي لا يبدأ في ساحة المعركة، بل يبدأ في تماسك المجتمع، ووضوح وعيه، وثقته بالله.

 

نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop