منذ أقدم العصور، ارتبط التمثال بفكرة الخلود؛ فهو رمز يُنحت في الحجر أو يُصبّ في المعدن ليبقى شاهدًا على شخص أو فكرة أو حدث. غير أن المفارقة المؤلمة تظهر حين لا يكون التمثال تكريمًا لقيمة حقيقية، بل نتيجة غرورٍ أعمى أو جهلٍ متضخم. عندها يمكن القول إن الأحمق يخلق له تمثالًا، لا ليخلّد الحكمة أو الإنجاز، بل ليكشف هشاشته أمام الزمن.
الأحمق لا يثق بأن أعماله تتحدث عنه، فيلجأ إلى المظاهر ليصنع لنفسه مجدًا مصطنعًا. يرفع صورته في كل مكان، أو يفرض اسمه على الشوارع والمؤسسات، أو يحيط نفسه بالمديح الزائف. هو لا يدرك أن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى نحتٍ ولا نقش، بل تظهر في أثرها على الناس وفي ما تتركه من خير أو معرفة أو عدل.
التمثال الذي يصنعه الأحمق يشبه قناعًا يخفي فراغًا داخليًا. فبدل أن ينشغل بتطوير فكره أو خدمة مجتمعه، ينشغل بتلميع صورته. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التمثال إلى شاهد إدانة، لأن الأجيال القادمة لا تنظر إلى الشكل، بل تسأل عن الجوهر: ماذا قدّم هذا الشخص؟ وما الذي غيّره للأفضل؟
على النقيض، العظماء الحقيقيون غالبًا لا يسعون إلى تماثيل. يتركون أفعالهم تتكلم عنهم، وإن أُقيمت لهم رموز لاحقًا، فإنها تكون تعبيرًا عن تقدير الناس لا عن رغبتهم الشخصية. الفارق هنا أن الحكيم يبني نفسه، بينما الأحمق يبني صورةً عنها.
في النهاية، التمثال لا يمنح الخلود، بل الحقيقة وحدها تفعل. فمن عاش لنفسه احتاج إلى حجر يذكره، ومن عاش للناس عاش في قلوبهم دون أن يطلب. وهكذا يبقى تمثال الأحمق قائمًا في الساحات، صامتًا، بينما يسقط مع أول سؤال صادق يطرحه التاريخ.
أ. ربيعة الحربي
@RBS_2030
عضو جمعية إعلاميون