مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لماذا يُحتجز المعلّمون ساعة إضافية؟!

في كل مجتمع حيّ التعليم هو نبض الحياة، والمعلم قلبه الذي يضخّ القيم والمعرفة. وحين تُثار قضية مثل إلزام المعلمين بالبقاء في مدارس فارغة حتى الساعة 1:15 ظهرًا بينما غادر طلابهم منذ زمن فهي ليست مسألة دقائق مسلوبة، بل اختبار حقيقي لمدى حكمة الأنظمة وقدرتها على احترام من يحملون أعظم رسالة.
المعلم ليس آلة توقيت تقف عند البصمة ثم تُغلق ،بل إنسان يستيقظ قبل الفجر يقطع الطرقات الطويلة، يحضّر الدروس بعناية، ويواجه في فصله عشرات العقول الصغيرة والقلوب الكبيرة.
أن يُحتجز بعد خروج طلابه هو رسالة غير معلنة تقول له: «ثقتنا بك لا تكفي إلا إذا جلست بين الجدران الخاوية» ،هذه ليست فلسفة انضباط بل غياب لرؤية تثمّن قيمة الوقت والإنسان.
يقول البعض إن البقاء الإضافي يحافظ على الانضباط ولكن الانضباط الحقيقي ليس في بقاء جسد المعلم محبوسًا! بل في بقاء ضميره يقظًا.
الحضور الفعلي لا يُقاس بالساعة والدقيقة فقط بل بالروح والحماس والصدق في العمل. معلم ساخط لا يمكن أن يصنع طالبًا متحمسًا، وأستاذ يشعر بالإرهاق والظلم لن يزرع في طلابه حب النظام ولا حب الوطن.
من المنطقي أن تطلب الوزارة حضور المعلم وتحضيره لكن من غير المنطقي أن يُجبر على قضاء ساعة وسط فراغ لا يفيد أحدًا!
لماذا لا تتحوّل هذه الساعة إلى مساحة تطويرية حقيقية؟ يمكن أن تكون جلسة حوارية بين الزملاء لتبادل الأفكار، أو تدريبًا قصيرًا يعزّز مهارات التدريس، أو فرصة مرنة يختار فيها المعلم العمل من منزله لإنجاز التحضير أو التواصل مع أولياء الأمور.
ثم ماذا عن أولئك الذين يقطعون عشرات الكيلومترات ذهابًا وإيابًا؟ أو الأمهات اللاتي يتركن أبناءهن عند أقارب أو حضانات فقط ليجلسن أمام طاولات فارغة بانتظار انتهاء الساعة الإضافية؟ العدالة هنا لا تُقاس بالقوانين الجامدة، بل بالرحمة التي تُشعر المعلم أن وزارته ترى إنسانيته قبل أن تراه موظفًا.
القرار الإداري الناجح هو الذي يحافظ على هيبة النظام دون أن يهدر كرامة الأفراد.
ولو أُتيحت مساحة حوار حقيقي بين الوزارة والمعلمين لظهر أن الانضباط يمكن تحقيقه بأساليب أكثر فاعلية وأقل استفزازًا.
تخيلوا أثر مبادرة تستثمر هذه الساعة في تطوير مهني من اختيار المعلمين أنفسهم، أو في تهيئة بيئة مدرسية أفضل، بدلًا من تركهم أسرى مقاعد خالية.
إن التعليم ليس وظيفة ميكانيكية بل رسالة تُحمل بالقلب قبل العقل ،وإذا أردنا تجويد العملية التعليمية فعلينا أولًا أن نحفظ للمعلّم مكانته ونصنع له بيئة يشعر فيها بالثقة والتقدير.
أما أن نُشعره بأن ساعة فراغ إضافية هي دليل التزامه فهذا يضعف حماسه ويشوّه صورة التعليم أمام المجتمع.
التوازن بين الانضباط الإداري والعدالة الإنسانية هو الذي يصنع نهضة حقيقية، وإذا كان الطالب هو محور العملية التعليمية فالمعلم هو روحها. وحين نُهمل روحه نخسر جميعًا أكثر مما نتخيّل.
قرار «حضوري» يحتاج إلى إعادة نظر لا لأن المعلمين يرفضون الانضباط، بل لأنهم يريدون انضباطًا عادلًا يحترم وقتهم وجهدهم، ويجعل بقاءهم في المدرسة بعد خروج طلابهم إضافة حقيقية لا عبثًا بيروقراطيًا.
ولعلّ هذه القضية تذكيرٌ لنا بأن الأنظمة مهما بلغت دقتها يجب أن تبقى مرنة أمام إنسانية الواقع، فالمعلم الذي يُحترم ويُقدّر سيصنع وطنًا أقوى وعقولًا أوسع، وسيُعلّم طلابه بالقدوة قبل المنهج أن العدل هو أساس كل حضارة.

 

أ. سعيد الأحمري
‏@Historian2080
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop