مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لم أهرب.. كنت أحمي روحي!

لم تكن حياتي مثالية، ولم تكن تخلو من العثرات، لكنها كانت تشبه جدولًا صغيرًا يمضي بهدوء بين الصخور؛ لا يملك قوة السيل الجارف، لكنه يعرف طريقه جيدًا.

كنت أؤمن أن بعض المعارك لا تستحق أن نخوضها، وأن ارتفاع الصوت ليس دليلًا على قوة الحجة. لذلك، كلما تعالت الأصوات من حولي، آثرت الصمت. لا عجزًا عن الرد، بل احترامًا لقلبي من أن يرهقه الضجيج.

أتذكر يومًا اجتمع فيه عدد من الأقارب، وتحول حديث عابر إلى جدال محتدم. كان كل واحد منهم يحاول أن يثبت أنه على حق، حتى ضاعت الحقيقة بين الكلمات المتزاحمة. نظرت إليهم للحظات، ثم انسحبت بهدوء إلى فناء المنزل. جلست تحت شجرة قديمة أراقب غروب الشمس، ووجدت في صمت السماء حكمة لم أجدها في صخب المجلس.

استغرب البعض موقفي، وظنوا أنني لا أملك رأيًا أو أنني أتهرب من المواجهة. لكنهم لم يعلموا أن الابتعاد أحيانًا شجاعة، وأن الحفاظ على السلام الداخلي انتصار لا يراه الآخرون.

ومرت السنوات، وتعلمت أن الحياة لا تكافئ الأكثر ضجيجًا دائمًا، بل تمنح طمأنينتها لمن يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، ومتى يقترب ومتى يبتعد.

لم تكن حياتي مثالية، نعم، لكنها كانت هادئة. كنت أغادر الأماكن التي تستنزف روحي، وأتمسك بالأشخاص الذين يضيفون إلى أيامي نورًا لا دخانًا. وكلما احتدمت المواقف، كنت أختار خطوة إلى الخلف، ليس خوفًا من أحد، بل وفاءً لنفسي التي تعبت من حمل ما لا يعنيها.

واليوم، حين أنظر إلى ما مضى، أدرك أن أجمل ما كسبته لم يكن انتصارًا في جدال، ولا تفوقًا في خصام، بل قلبًا ما زال قادرًا على النوم مطمئنًا، وروحًا لم تتلوث بضجيج المعارك العابرة.

فليس كل صمت هزيمة، وليس كل ابتعاد ضعفًا؛ أحيانًا يكون الصمت حكمة، ويكون الابتعاد أرقى أشكال النجاة.

 

فاطمة الجباري
‏@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop