مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لن أكبر في عين أم؟

الأم.. الوطن الوحيد الذي لا يشيخ في داخلنا.. في أحد المستشفيات، كان رجلٌ خمسيني يقف بجانب سرير والدته المسنّة. رجل يحمل من المناصب ما يجعله يُهاب، ومن الإنجازات ما يجعله محلّ تقدير الجميع. لكن أمه كانت لا تزال تسأله بصوتٍ متعب؛ “أكلت يا ولدي”؟ في تلك اللحظة، سقطت كل الألقاب، واختفت كل الأعمار، وعاد طفلًا… كما كان دائمًا في عينها.

هذه هي الأم. الكائن الوحيد الذي لا يرى أبناءه بما أصبحوا عليه، بل بما يشعر بهم في قلبه. فالأم لا تعترف بالسنوات، ولا تقتنع بأن أبناءها كبروا فعلًا، حتى وإن أصبحوا آباءً وأمهات، أو قادةً ومسؤولين، أو حملوا أعلى الشهادات.

سيظل الابن في نظرها ذلك الصغير الذي كانت تغطيه ليلًا، وتخاف عليه من الحمى، وتنتظر صوته عند الباب، وتدعو له دون أن يعلم.

وفي عالمٍ يركض فيه الناس خلف الإنجاز والمال والمكانة، تظل الأم تذكّرنا — دون خطبٍ طويلة — أن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بمن يحبّه بصدق.

ولهذا، لا يوجد حب يشبه حب الأم. فهي لا تحب أبناءها لأنهم ناجحون، ولا لأنهم مثاليون، ولا لأنها تنتظر منهم مقابلًا. تحبهم لأن قلبها خُلق على هيئة أم. وحين نتأمل علاقتنا بأمهاتنا، ندرك أن أكثر ما منحنا الأمان في طفولتنا لم يكن البيت؛ بل وجودها داخله.

كانت الطمأنينة حين نخاف، والدعاء حين نتعثر، والحضن الذي يُصلح هشاشة العالم. ومع مرور الوقت، ينشغل كثير من الأبناء بالحياة، ويؤجلون المكالمات، ويؤخرون الزيارات، ويظنون أن الأم ستبقى دائمًا هناك.

لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها إلا متأخرين؛ أن العمر يمضي بصمت، وأن الأشياء الدافئة لا تتكرر مرتين. لهذا، لا تؤجلوا الحب. اقتربوا من أمهاتكم أكثر، استمعوا لأحاديثهن الطويلة، تسامحوا مع خوفهن الزائد، وامسكوا أيديهن جيدًا.

ومن هذا المنبر، أقول لكِ يا أمي: سأظل طفلتكِ دائمًا؛ التي تستيقظ كل يوم باحثةً عن هدوئكِ النفسي، وأمانكِ، وحبكِ. وأشكر الله في كل يوم؛ أنه جعلكِ أمي.

اللهم احفظ أمهاتنا، وأدم دفءَ وجودهن في حياتنا، ولا تُرنا فيهن بأسًا يُبكينا. ففي نهاية العمر؛ قد يكتشف الإنسان أن أعظم نعمة لم تكن نجاحًا حققه، ولا منصبًا وصل إليه، بل قلب أمٍّ ظل يحبه… حتى آخر العمر.

 

د نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop