مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

لو تكلّم الوقت.. ماذا سيقول لنا؟

في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتتزاحم فيه اللحظات، لم يعد الوقت مجرد إطار تمرّ داخله الحياة، بل أصبح هاجسًا يوميًا نطارده صباحًا ونشكو منه مساءً. نُحمّله مسؤولية ما لم ننجزه، ونصفه بالقسوة، بينما الحقيقة أبسط وأكثر إيلامًا: نحن لا نُحسن التعامل معه. ولو أُتيح للوقت أن يتكلم، لقال الكثير عن علاقتنا المربكة معه، وعن الطريقة التي نهدر بها أعمارنا تحت وهم الانشغال الدائم.

الوقت لا ينتظر أحدًا ولا يميّز بين الناس؛ يمضي بالوتيرة ذاتها للجميع، لكن الفارق الحقيقي يكمن في وعي الإنسان بقيمته وكيفية استثماره. فهو ليس خصمًا كما نُصوّره، بل مرآة تعكس أولوياتنا واختياراتنا اليومية. وما نعتبره ضيقًا في الوقت هو، في كثير من الأحيان، نتيجة سوء ترتيب لا قسوة زمن.

في عالمٍ تُقاس فيه القيمة بعدد المهام، يغيب السؤال الأهم: ماذا أنجزنا فعلًا؟ فالتكنولوجيا التي وُعدنا بأنها ستوفّر الوقت ساهمت، في استنزافه، محوّلة ساعات طويلة إلى دوائر من التصفح والمتابعة والمقارنات. فالانشغال لا يعني الإنتاج، وكثرة الحركة لا تعني التقدّم. فالوقت لا يُقاس بعدد ساعاته، بل بما نمنحه خلالها من معنى وأثر.

ثقافة التأجيل واحدة من أكثر العادات شيوعًا في حياتنا المعاصرة. نؤجّل أحلامنا بذريعة الظروف، ونُرجئ قراراتنا انتظارًا للحظة مثالية، متناسين أن هذه اللحظة نادرًا ما تأتي. الزمن لا يمنح ضمانات، وما نؤجّله اليوم قد لا يجد طريقه إلى الغد، فيما تمضي الأيام حاملةً معها فرصًا لا تتكرر.

وفي العلاقات الإنسانية، لو تحدّث الوقت، لقال إن القرب الحقيقي لا يُقاس بطول السنوات، بل بصدق اللحظات. فبعض العلاقات تمتد زمنيًا لكنها تخلو من المعنى، فيما تترك أخرى، قصيرة العمر، أثرًا عميقًا لا يمحوه الزمن. الوقت يحتفظ بما كان حقيقيًا، ويتجاوز ما كان عابرًا.

أقسى دروس الوقت لا تُفهم إلا متأخرة. عند فقدان شخص، أو فرصة، أو صحة، ندرك فجأة قيمة ما مضى. حينها لا يعود الزمن قاسيًا أو ظالمًا، بل يصبح شاهدًا صامتًا على ما أهدرناه بأيدينا، ونحن نظن أن الوقت متّسع دائمًا.

ولو ختم الوقت حديثه، فلن يطلب منا المستحيل، بل سيطالبنا فقط بالانتباه: أن نعيش الحاضر بوعي، وأن نختار بعناية، وأن نمنح أيامنا قيمة قبل أن نعدّها. فالوقت لا يسرق أعمارنا؛ نحن من نفرّط بها حين نغفل عن معناها.

 

أ. شادية الغامدي
@shadiyah_gh
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop