هناك تواصل لا يرى، ولا يسجل، إنه تواصل تنبعث منه النية قبل الكلمة، وتصل فيه الرحمة قبل الرسالة. تواصل لا يقاس بفصاحة العبارات ولا بذكاء الطرح، بل بصدق القلب وصفائه.
نراه حين تنطق العيون بما لم يقله اللسان، ونشعر به حين يربت أحدهم على روحك بنظرة، أو بدعوة صادقة في غيابك، أو بصمت امتلأ نصحا ورحمة. قد نسميه أدبا، أو لطفا، أو ذوقا رفيعا، لكنه في جوهره تواصل إيماني خفي، لا يتقنه إلا من أصلح داخله قبل أن يجمل عباراته.
النية هي الرسالة الأولى، حتى وإن لم تكتب. هي المعنى الذي يسري في الكلمات، فإن كانت صادقة وصلت، وإن كانت ملوثة انكشف أثرها ولو بعد حين. رب كلمة قصيرة خرجت من قلب نقي فلامست قلوبا كثيرة، ورب خطاب طويل محكم البناء سقط لأنه افتقد روح الإخلاص.
حدثنا الأثر النبوي عن ثلاثة هم أول من تسعر بهم النار: رجل قاتل ليقال جريء، ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن ليقال عالم أو قارئ، ورجل تصدق ليقال كريم. فقد قيل ما كانت نيتهم، فحبط البذل. أعمال عظيمة في ظاهرها: جهاد، وعلم، وصدقة؛ وهي من أجل صور البذل في المجتمع. لكن لما فسدت النية، وانحرف القصد، لم تقبل، بل كانت حجة على أصحابها. إنها رسالة صريحة: ليست القيمة في حجم العمل، بل في وجهته.
في المقابل، قد يرفع الله عبدا بعمل خفي لا يلتفت إليه الناس. دعوة في جوف الليل لا يعلم بها أحد، ستر زلة حفظ كرامة إنسان، مساعدة قدمت في صمت دون منة، كلمة طيبة قيلت بقصد جبر خاطر. هذه الأعمال الصغيرة في أعين الناس، كبيرة بميزان السماء، لأن النية فيها صافية، والمراد بها وجه الله وحده.
إن النية ليست تفصيلا داخليا معزولا، بل هي روح العمل، وسر قبوله، ومفتاح أثره. هي الجسر بين الفعل والقبول، وبين الكلمة ووصولها. فإذا استقامت النية، استقامت المسيرة كلها، وصار لكل فعل معنى، ولكل موقف نور.
همست لنفسي وقلت: حين تكون النية الصادقة هي الرسالة، لا تحتاج إلى كثير شرح. يكفي أن يراك الناس فتطمئن قلوبهم، وأن يسمعوك فيشعروا بصدقك، وأن تغيب عنهم فيجدوا أثرك حاضرا في الدعاء. تلك هي البلاغة التي لا تدرس، والرسالة التي لا تكتب، والتواصل الذي يبدأ من الداخل، ليصل أبعد مما نتصور.
بدر الغامدي
@badrghamdi2030
عضو جمعية إعلاميون