مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

ماذا ربحنا في رمضان؟

كل عام يأتي رمضان ضيفًا كريمًا، تمتلئ أيامه بالصيام والقيام وتلاوة القرآن والصدقات. لكن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه الإنسان على نفسه مع نهاية هذا الشهر ليس: كم صمنا؟ بل: ماذا تغيّر فينا بعد الصيام؟

رمضان في حقيقته ليس مجرد أيام نمتنع فيها عن الطعام والشراب، بل هو مدرسة إيمانية عميقة يعيد فيها الإنسان ترتيب علاقته مع الله، ويعيد ضبط سلوكه مع نفسه ومع الآخرين. إنه موسم لإعادة بناء الإنسان من الداخل.

ولهذا لم يجعل القرآن هدف الصيام الجوع أو العطش، بل جعل غايته أعمق من ذلك بكثير. قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.

فالتقوى هي جوهر رمضان؛ أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بالله، وأكثر مراقبة لنفسه، وأكثر استقامة في سلوكه. فالصيام يدرّب النفس على الصبر، ويهذّب الغرائز، ويذكّر الإنسان بحقيقة ضعفه وحاجته الدائمة إلى ربه.

لكن الحقيقة التي قد يغفل عنها كثيرون هي أن رمضان ليس اختبارًا في الصيام فقط، بل اختبار في التغيير.

فالفائز الحقيقي في رمضان ليس من امتلأ جدوله بالعبادات خلال الشهر ثم عاد بعدها إلى نفس العادات القديمة، بل الفائز هو من خرج من رمضان إنسانًا مختلفًا: قلبه أقرب إلى الله، وسلوكه أكثر استقامة، وروحه أكثر وعيًا وطمأنينة.

رمضان يمنح الإنسان فرصة نادرة ليعيد ترتيب حياته. فمن تعلّق قلبه بالقرآن في رمضان لا يليق به أن يهجره بعده، ومن اعتاد الصلاة في وقتها لا ينبغي أن يتركها بانتهاء الشهر، ومن ذاق لذة الصدقة والإحسان لا ينبغي أن يقطعها بعد موسم الرحمة.

إن أعظم نجاح يحققه الإنسان في رمضان هو أن تتحول العبادة من موسم مؤقت إلى منهج حياة.

فالفوز الحقيقي لا يقاس بعدد الأيام التي صمناها، بل بمقدار التحول الذي أحدثه رمضان في داخلنا. هل أصبح القلب أكثر صفاء؟ هل صار الإنسان أكثر رحمة؟ هل ارتقى وعيه بنفسه وبمسؤوليته في هذه الحياة؟

رمضان لم يُشرع ليجوع الجسد فقط، بل ليصحو القلب. فإن خرج الإنسان من رمضان كما دخله، فقد صام عن الطعام… ولم يصم عن الغفلة.

أما الفائز الحقيقي فهو من انتهى الشهر وبقي أثره: بقي القرآن في يومه، وبقيت الصلاة في قلبه، وبقيت التقوى في قراراته.

فليس السؤال: هل انتهى رمضان؟
بل السؤال الأهم: هل بدأ التغيير فينا بعد رمضان؟

لأن الفائز بالشهر ليس من صام ثلاثين يومًا فقط، بل من ارتقى بعدها في علاقته بالله، وفي وعيه بنفسه، وفي طريقه في الحياة.

 

نوف التويجري
‏@coach_nouff
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop