مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

مالذي يحدث فعلاً داخل بيئة العمل؟

ليست كل بيئة عمل مرنة، بيئة منتجة. وأحياناً ما يُفترض أنه أسلوب قيادي متوازن، يُعاد تفسيره داخل الفريق بطريقة مختلفة تماماً.
في كثير من السياقات المهنية، تُطرح المرونة كقيمة إيجابية، بل كأحد مؤشرات نضج القائد وقدرته على استيعاب فريقه.

لكن المشكلة لا تكمن في المرونة ذاتها، بل في كيفية فهمها داخل بيئة العمل. في بعض الحالات، يظهر نمط يمكن وصفه بـ “الأسلوب المطاطي”؛ في إنجاز المهام، حيث تُنجز الأعمال من دون وضوح في التوقيت، أو تحديد دقيق للمعايير، مع شعور ضمني بالأمان المهني ناتج عن غياب التقييم الصارم أو ضعف المنافسة.
وهنا، لا يعود العمل مرتبطاً بالجودة أو الإنجاز، بل بالاستمرارية الشكلية فقط.

هذا النمط لا ينشأ من فراغ، بل يتشكل تدريجياً في بيئات يغيب فيها وضوح التوقعات، وتتراجع فيها المساءلة، ويُترك فيها المجال مفتوحاً للتفسير الفردي لمفهوم “الإنجاز”. والقائد المتفهم – وهو في الأصل عنصر قوة – قد يُساء فهمه إذا لم يُوازن بين المرونة والحزم. فبعض فِرق العمل تفسر المرونة على أنها مساحة مفتوحة للتراخي، لا كمساحة للعمل بوعي ومسؤولية. ومع الوقت، تتحول هذه القراءة الخاطئة إلى سلوك متكرر يؤثر على مستوى الالتزام وجودة المخرجات، بل وعلى سمعة الجهة بشكل عام.

وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة دائماً في الفريق، بل أحياناً في غياب الرؤية القيادية الواضحة. فحين تغيب القدرة على رؤية الخلل أو يتم تجاهله، فإن الأهداف مهما كانت جيدة كرؤية، لن تتجسد على أرض الواقع، ولن تظهر جودة المخرجات بالشكل الذي يُفترض أن تكون عليه.

وكما يُشير Simon Sinek، وهو أحد أبرز المتحدثين في مجال القيادة الحديثة وصاحب كتاب Start with Why. فإن القيادة لا تُقاس بمدى لطف القائد، بل بوضوحه، وهو ما تفتقده بعض البيئات العملية التي تتحول فيها المرونة إلى مساحة مفتوحة للتراخي. فالوضوح لا يُقيّد الفريق كما يُعتقد، بل يمنحه اتجاهاً، ويخلق مساحة صحية للعمل، يعرف فيها كل فرد ما المطلوب منه، ومتى، وبأي معيار.

وتتقاطع هذه الفكرة مع ما طرحه Daniel Goleman، وهو عالم نفس بارز وأحد الرواد في تطوير مفهوم الذكاء العاطفي في القيادة الحديثة ، في كتابه Emotional Intelligence، حيث يوضح أن الذكاء العاطفي في القيادة لا يعني التهاون أو تجنب المواجهة، بل القدرة على إدارة العلاقات بوعي، مع الحفاظ على وضوح التوقعات وتوجيه الأداء نحو نتائج ملموسة.
فالقائد الذكي عاطفياً لا يكتفي بفهم مشاعر فريقه، بل يستخدم هذا الفهم لتعزيز الانضباط، ورفع مستوى الالتزام، وتحقيق التوازن بين التعاطف والحزم.

وفي السياق ذاته، لا يمكن تجاهل أثر التواصل المهني الطبيعي داخل الفريق. فغياب التواصل المستمر الذي يُفترض أن يكون جزءاً أساسياً من بيئة العمل ينعكس بشكل غير مباشر على مستوى التعاون والتكامل بين الأعضاء. إذ لا يقتصر التواصل على تبادل المهام، بل يمتد إلى فهم كل عضو، وطريقة تفكيره، وآلية التعامل معه. وهو ما يُسهم في بناء قدر من الألفة المهنية التي تُسهّل العمل وتُسرّع إنجازه.
وفي البيئات التي يغيب فيها هذا النمط من التواصل، تُحدِث فجوة غير واضحة بين الأعضاء، دون انسجام حقيقي أو تنسيق فعّال، مما يضعف التكاتف ويؤثر على جودة المخرجات، حتى وإن بدا العمل مكتملاً ظاهرياً.
فالتواصل هنا ليس عبئاً إضافياً، بل أحد أهم أدوات تنظيم العمل وضبطه. وبغيابه، لا تتأثر العلاقة بين الأفراد فقط، بل يتأثر الأداء الجماعي ككل.

ومن خلال تجارب مهنية متعددة، يتضح أن الفرق بين بيئة مريحة وبيئة منتجة ليس في حجم الضغط، بل في وضوح التوقعات منذ البداية، من حيث نطاق العمل، والإطار الزمني، ومعايير الجودة. ففي البيئات التي يغيب فيها هذا الوضوح، يظهر تدريجياً تأجيل غير مبرر، وإنجاز بلا معايير، وتفسير شخصي لمعنى الالتزام.
والمفارقة أن بعض الأفراد ينظرون إلى التواصل المستمر، وهو جزء أساسي من مهامهم، على أنه ضغط، لا كأداة لتنظيم العمل وضبطه وتحسينه.

في النهاية، ليست كل مرونة تنازلاً، ولا كل صلابة فضيلة، بل التوازن بينهما هو ما يصنع بيئة عمل ناضجة.

 

د. مها الشريف
@imahaalshreef
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop