نميل بطبيعتنا إلى البحث عن الوضوح، عن إجابة سريعة تُريحنا من عناء التفكير، وعن موقف جاهز نضعه في خانة “مع” أو “ضد”. وربما لهذا السبب بقي المثل الشعبي «ما كل أبيض شحم وما كل أسود فحم»؛ حاضرًا في ذاكرتنا، لأنه يذكّرنا – ببساطة إنسانية – أن الأمور ليست دائمًا كما تبدو، وأن التسرع في الحكم قد يكون أقصر الطرق إلى الخطأ.
في حياتنا اليومية، كما في الشأن العام، نُواجه سيلًا من الأخبار والآراء. نقرأ عنوانًا، نشاهد مقطعًا قصيرًا، فنكوّن موقفًا كاملًا في لحظات. نرفع أشخاصًا إلى مستوى الكمال، أو نُسقطهم دفعة واحدة، من دون أن نمنح أنفسنا فرصة السؤال: ماذا عن التفاصيل؟ ماذا عن السياق؟ ماذا عن الجانب الذي لم يُروَ بعد؟
الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ هذا النمط. فالسرعة أصبحت قيمة بحد ذاتها، والتفاعل بات معيار النجاح.
وفي خضم ذلك، تراجعت المساحة المخصصة للتفكير الهادئ، لصالح خطاب حادّ يقسم العالم إلى أبيض ناصع أو أسود قاتم. لكن الواقع، بطبيعته، لا يعيش في هذه الثنائية المريحة.
الواقع أكثر تشابكًا وإنسانية. قد يخطئ الإنسان وهو يحاول أن يُحسن، وقد يُصيب رغم كل التحفظات عليه. قد تفشل تجربة دون أن يعني ذلك فشل الفكرة، وقد يقع خطأ دون أن يُلغي تاريخًا من الجهد والعمل. الإنصاف هنا لا يعني التبرير، بل الفهم، ولا يعني التساهل، بل التوازن.
حين نُصرّ على رؤية الأمور بلون واحد، نخسر القدرة على الحوار، ونستبدل النقاش بالاصطفاف. يصبح الهدف هو الانتصار للرأي، لا الوصول إلى الحقيقة. ومع الوقت، يتحول الاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى إدانة، ويضيق المجال أمام أي مساحة مشتركة.
النظرة المتوازنة لا تجعلنا أقل وضوحًا، بل أكثر نضجًا. أن نترك مساحة للرمادي لا يعني الضياع، بل الاعتراف بأن الحياة أوسع من أحكام سريعة. التريث، في هذا السياق، ليس ضعفًا، بل وعيًا، والاستماع قبل الحكم ليس ترددًا، بل احترام للعقل وللآخر.
في زمن الضجيج، يصبح التريث فضيلة. أن نتوقف قليلًا قبل أن نحكم، وأن نمنح أنفسنا فرصة السؤال والفهم، هو شكل من أشكال المسؤولية الأخلاقية. فليس كل ما يبدو أبيضَ نقيًا هو كذلك، وليس كل ما يظهر أسودَ مظلمًا يستحق الإدانة المطلقة.
في النهاية، تذكّرنا هذه العبارة البسيطة بأن الحكمة لا تكمن في سرعة الرأي، بل في عدالته، وأن الحقيقة لا تُرى دائمًا بالعين المجردة، بل تحتاج إلى عقلٍ متزن، وقلبٍ منفتح، ونظرةٍ أعمق من اللون.
أ. الحجاز الثقفي
@alhijazmusleh
عضو جمعية اعلاميون