أنا لا أعاتب؛ أنا أبتر في صمت
فالعتاب رفاهية من يظن أن البقاء ممكن، أما أنا؛ فأدرك أن بعض النهايات لا تُناقش بل تُحسم.
أبتر الحكاية بصمت كغصنٍ اختار الانفصال قبل أن يُكسر.
أنا لا أعاتب؛ لأن العتاب في جوهره إبقاءٌ لبابٍ موارب اعترافٌ خفيّ بأن الرجوع ممكن وأن في القلب مساحةً مؤجلة للأمل وعندما نعاتب فنحن بطريقة ما نمنح الآخر قيمةً إضافية ونُبقي له موضعًا في الحكاية حتى بعد أن اختلّ ميزانها. وأنا لا أريد الأبواب المواربة لا أريد نصف حضورٍ ولا احتمالًا مؤجلًا للخذلان.
أنا لا أعاتب؛ لأن العتاب بقايا رغبة في البقاء وأنا حين أتعب لا أبحث عن تفسير ولا أمدّ جسورًا منهكة بل أختار الاختصار الحاسم أبتر بصمت.
أنا لا أعاتب؛ ليس لأنني أضعف من المواجهة بل لأنني لا أرى في العتاب جدوى حين يتكرر الفعل بوعيٍ كامل فالعتاب حين يفقد معناه قد يُقرأ ضعفًا أو حاجةً أو تمسّكًا بما كان ينبغي أن ينتهي وأنا لا أريد أن أبدو في موضعٍ يُشبه التردد أو الاستجداء ولا أن أقدّم نفسي كحكايةٍ معلّقة تنتظر إنصافًا متأخرًاً.
أنا لا أعاتب؛ لأنني إن بدأت سأقول أشياء تُشبه الوداع وأنا لا أهوى الوداع المعلن أفضل أن أختفي بهدوء تاركةً خلفي صمتًا يشرح كل شيء.
أنا لا أعاتب؛ لأن العتاب افتراضٌ بأن الآخر كان يجهل وأنا لا أبرّئ الوعي من اختياره ما يؤذيني لا أناقشه بل أعيد ترتيبه داخليًا حتى يفقد سلطته ثم أبتره بقرارٍ لا يطلب تفسيرًا.
أنا لا أعاتب؛ لأنني إن فعلت كأنني أُقرّ ضمنًا بأنني الضحية وأمنح الطرف الآخر شعورًا زائفًا بالانتصار وفي ميزاني لا يستحق أحدٌ هذا الامتياز على حساب اتساقي الداخلي أختصر المسافة بيني وبين الخيبة؛ وأغادر من دون ضجيج كأنني لم أكن يومًا هنا وكأن قلبي تعلّم أخيرًا أن النجاة لا تحتاج كلمات لستُ قاسية؛ لكنني أدرك أن ما يُكسر مرة يحتفظ بذاكرة الكسر وأن الترميم مهما بدا متماسكًا يظل هشًّا عند أول اختبار.
أنا لا أعاتب؛ لأن الكلمة حين تأتي متأخرة لا تُنقذ معنى بل تؤجّل النهاية فقط لستُ أطلب اتساق العالم بل اتساقي معه وحين يختلّ الميزان لا أُعيد تشكيل الأشياء بل أُعيد نفسي إلى موضعها لذلك لا أعاتب ولا أجادل بل أختار وضوحًا حاسمًا ما يتكرر ليس خطأً عابرًا بل اختيار لذلك أغادر بلا ضجيج كحكمٍ اكتمل في داخلي واكتفى.
أنا لا أعاتب؛ أنا أبتر لأن الصمت حين ينضج يكون أصدق من كل الكلام وما لا يُصلحه الوعي ينهيه القرار.
ما لا يُقال.. “يٌنهى”!
هناء الخويلدي
@Hana69330082
عضو جمعية إعلاميون