مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

متى يصبح الأبوان ضحية العطاء؟

هناك فرقٌ كبير بين الحنان والتدليل، وبين الحبّ والتنازل عن هيبة التربية.
فبعض الآباء والأمهات يظنون أن الحب الحقيقي هو أن يلبّوا كل طلب، ويزيلوا كل عقبة من طريق أبنائهم، ويعيشوا أعمارهم خَدَمًا لراحتهم… ثم يفاجَؤون بعد سنوات أن أولئك الأبناء الذين أُغدقت عليهم العطايا، كانوا أقلَّ الناس وفاءً ورحمةً وبرًّا.

إن الطفل الذي ينشأ وهو يرى والديه يسابقان الزمن لإرضائه، ويعتذران له أكثر مما يوجّهانه، ويمنحانه كل شيء قبل أن يتعب أو ينتظر أو يقدّر… يكبر وفي داخله شعور خفي بأن هذا حقٌّ مكتسب، لا فضل فيه لأحد. فيتحوّل الأب في نظره إلى “آلة عطاء”، وتتحول الأم إلى “خادمة حبّ” لا يجوز لها أن تتعب أو ترفض أو تتأخر.

ومع مرور الوقت، يفقد الابن القدرة على الامتنان؛ لأنه لم يتعلّم معنى الحرمان، ولم يذق قيمة الانتظار، ولم يعرف أن خلف كل طلبٍ مُلبّى قلبًا يتعب وظهرًا ينحني وعمرًا يُستهلك بصمت.

المؤلم أن بعض الآباء يستهلكون صحتهم وأعصابهم وأموالهم ليصنعوا لأبنائهم حياةً بلا مشقة، ثم عندما يكبرون يحتاجون إلى كلمة حنان أو جلسة قرب أو اهتمام صادق؛ يجدون أبناءً لا يجيدون سوى الأخذ.

فالإنسان الذي اعتاد أن تُلبّى رغباته فورًا، يصعب عليه أن يرى احتياجات الآخرين. ومن تربّى على أن الدنيا تدور حوله، يكبر وهو يظن أن والديه وُجدوا لخدمته فقط.

ولهذا لم تكن التربية الحقيقية يومًا قائمة على التدليل المفرط، بل على التوازن الجميل بين الحب والحزم، بين العطاء والتوجيه، بين الاحتواء وتعليم المسؤولية.

فالابن لا يحتاج فقط إلى من يطعمه ويلبسه ويحقق أحلامه، بل يحتاج إلى من يعلّمه كيف يحترم التعب، وكيف يشعر بفضل والديه، وكيف يكون إنسانًا رحيمًا لا أنانيًا.

إن أعظم ما يورثه الآباء لأبنائهم ليس المال ولا الرفاهية، بل الأخلاق والامتنان والشعور بالمسؤولية. فالبيت الذي يُربّى فيه الطفل على كلمة “شكرًا”، وعلى مراعاة تعب أمه، واحترام وقت أبيه، وعلى أن يأخذ أحيانًا ويعطي كثيرًا… هو بيت يبني أبناءً يعرفون معنى البر الحقيقي.

ولعل أكثر القلوب وجعًا هي قلوب الآباء الذين أفنوا أعمارهم في التدليل، ثم اكتشفوا متأخرين أنهم ربّوا أبناءً يحبون الأخذ أكثر مما يعرفون الوفاء.

فالحب لا يعني أن نلغي شخصية الأب والأم من أجل الأبناء، ولا أن نختصر التربية في تلبية الطلبات. الحب الحقيقي أن نصنع أبناءً صالحين، يعرفون أن وراء كل نعمة قلبًا تعب… وأن الأيدي التي امتدت إليهم بالعطاء يومًا، تستحق أن تُقبَّل احترامًا لا أن تُرهَق جحودًا.

 

فاطمة الجباري
‏@fhaa1437
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop