منذ طفولتنا، كبرنا على موائد لم تكن عامرة بالطعام وحده، بل بالمحبّة التي تسبق كل شيء. أيادي عمّاتي الغاليات لم تكن تطهو فحسب، بل كانت تزرع فينا شعور الانتماء، ذاك الذي لا يبهت مهما ابتعدنا. نساء أفخر بالانتماء إليهن قلباً وروحاً؛ من عرفهن، شهد لهنّ بصفاء الخلق، وبكرم لا يحتاج إلى تعريف.
في أحد الأيام الجميلة، زارتنا عمّتي في الرياض. لم تكن زيارة عابرة. دخلت وهي تحمل معها رائحة أعرفها جيداً، رائحة لا تخطئها الذاكرة؛ رائحة قرية شراف، قرية الخوال، حيث تشكّلت أولى الذكريات، وحيث كان الحنين يُصاغ على هيئة جمعة دافئة وقلوب متقاربة. جاءت بالكثير، منها مراهيف من صنع يديها، مراهيف لم تكن طعاماً بقدر ما كانت ذاكرة كاملة، تفوح منها رائحة الطمأنينة والطفولة.
ما إن تذوّقتها، حتى انفتحت أبواب الشوق دفعة واحدة. عادت وجوه غابت، ومرّ طيف من رحلوا عن حياتي: أمي، وخالي، وأخي. حضروا جميعاً في لقمة واحدة، في طعم يعرف كيف يستدعي الغائبين دون استئذان. نحن نذكر من نحب كل يوم، وندعو لهم، لكن للمراهيف قدرة مختلفة، توقظ الاشتياق وتسكبه دمعاً صامتاً في القلب.
أحنّ لأمي… لأطباقها، لضحكتها وهي تجمعنا حول سفرة بسيطة لكنها ممتلئة بالحب. أحنّ لاجتماعات العائلة في شراف الحبيبة، حيث كان الوقت أبطأ، والقلوب أصفى. كيف يمكن وصف شوقٍ يهبط فجأة؟ وكيف يُترجم حنينٌ حين يتجسّد في طعم؟ حتى القرصان لم يكن مجرد طعام، بل رسالة حبٍ عابرة للزمن، من الماضي إلى الحاضر.
هي مراهيف عمّتي، نعم… لكنها في قلبي أكثر من ذلك. هي ذكرى، ودعاء، واشتياق لا يهدأ.
حصة القبلان
@h66227662
عضو جمعية إعلاميون