مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

مكاتب مزدحمة.. وقلوب خالية

حضرت يومها الأول بابتسامةٍ تشبه الترقية، وبقلبٍ يفيض بالحماس ، ظنت أنها ستُقابَل بترحيبٍ يُدفئ الغربة، غير أنها وجدت صمتًا باردًا كغرفة الاجتماعات بعد انتهاء الدوام ، كل موظفة في ركنها الخاص، غارقة في شاشةٍ أو همسٍ أو صمتٍ يشي بأن “الانفرادية” هنا ليست سلوكًا، بل ثقافة.

كانت تظن أن “روح الفريق” ستصافحها أولًا، لكنها اكتشفت أن هذه الروح تغيب أحيانًا بإجازةٍ غير معلنة ، فسألت نفسها: أين التهيئة؟ أين الترحيب؟ أين شعور الانتماء الذي تتحدث عنه كُتب الموارد البشرية ببلاغةٍ تفوق التطبيق؟

وفي الزاوية الأخرى، كانت إحداهن تضحك ملء قلبها، ثم فجأة تغيّر نَفَس الضحك إلى “قيل وقال”، إلى حكاياتٍ تتنقل بين الأسماء كما تتنقل الإشعارات في هاتفٍ مشغولٍ بالفضول، وعلى الممر المقابل، كانت أخرى تتجول بثقةٍ غريبة، توزع الاتهامات كما توزع الإدارة المهام، لا لشيء سوى أن النجاح يُتعبها، وأن الأضواء تُزعج من اعتاد الظلال.

البيئة هنا لا تفتقر للكفاءات، بل تفتقر للقلوب المتعاونة ، هي بيئة تظن أن الإنجاز فردي، وأن العمل الجماعي مجرّد شعارٍ على لوحةٍ خلفية في قاعة الاجتماعات.

تقول نظرية “هاوثورن” في السلوك التنظيمي إن الإنتاجية ترتفع حين يشعر الموظف بالاهتمام والقبول في بيئة عمله. لكن ماذا عن بيئةٍ لا تسمع إلا صدى الانعزال، ولا ترى سوى الجدران الفاصلة؟ كيف تنمو “روح الجماعة” في أرضٍ جافة من التقدير؟

إن إدارة الموارد البشرية ليست فقط لحساب الإجازات ومتابعة الحضور، بل لزرع “حياة” في المكان، لخلق ترابطٍ يُعيد الدفء لمكاتبٍ امتلأت بالانفراد، فما قيمة العمل إن لم يكن فيه روح؟
وما جدوى الفريق إن كان كل فردٍ فيه يعيش جزيرته الخاصة؟

 

د. جواهر الروقي
‏@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

 

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop