مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

ممشى خطاه

حين نتأمل القطاع غير الربحي اليوم، قد يظن البعض أن دوره يقتصر على جمع التبرعات أو توزيع المساعدات، لكن الحقيقة أن ما نراه اليوم هو نتاج رحلة طويلة من البناء والتنظيم والتخطيط، رحلة تبدأ من أعظم قدوة عرفتها البشرية، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتمتد إلى نماذج عملية خالدة جسدها صحابته الكرام، وفي مقدمتهم عثمان بن عفان رضي الله عنه.

لقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى أن الإحسان ليس عملاً عاطفياً عابراً، بل منهج حياة متكامل ، فحين دعا إلى الصدقة، لم يكن يدعو إلى بذل المال فحسب، وإنما إلى بناء الإنسان، وحفظ كرامته، وتحقيق مصالحه، واستدامة الخير له ولمن بعده.

ومن هنا يمكننا أن نفهم لماذا أصبح القطاع غير الربحي اليوم قطاعاً قائماً على الحوكمة، والتخطيط، وقياس الأثر، وإدارة المخاطر، والرقابة، والاستدامة المالية ، فهذه الأدوات الحديثة ليست بعيدة عن جوهر الرسالة التي جاء بها الإسلام، بل هي امتداد طبيعي لمنهجية تقوم على حفظ الحقوق وإيصال الخير بأفضل صورة ممكنة.

العاملون في هذا القطاع يحملون على عواتقهم أمانات عظيمة ، يعملون في كثير من الأحيان بعيداً عن الأضواء، مدفوعين بإيمانهم برسالة سامية تتجاوز المكاسب الشخصية. يخططون، ويدرسون، ويقيسون، ويتابعون، ويجندون الكفاءات، ويبحثون عن أفضل الوسائل لإحداث أثر حقيقي ومستدام في حياة الناس ، ولم يعد القطاع غير الربحي مجرد مساحة للعمل التطوعي التقليدي، بل أصبح بيئة احترافية تستقطب أصحاب الخبرات والكفاءات، وتُدرّس علومه في الجامعات، وتُبنى له المناهج، وتُخصص له البرامج التدريبية، لأنه بات شريكاً أساسياً في التنمية الوطنية والاجتماعية.

وعندما نبحث عن النموذج التاريخي الأقرب لهذا المفهوم، فإننا نجد عثمان بن عفان رضي الله عنه حاضراً بقوة ، فقد أدرك رضي الله عنه أن العطاء الحقيقي هو العطاء المستدام ، وعندما اشترى بئر رومة وجعلها وقفاً للمسلمين، لم يقدم حلاً مؤقتاً لأزمة ماء، بل أسس نموذجاً تنموياً بقي أثره ممتداً عبر القرون ، لقد فهم أن الخير الذي يستمر بعد صاحبه أعظم أثراً من الخير المرتبط بلحظة زمنية محدودة.

إن الوقف الذي أسسه عثمان رضي الله عنه لم يكن مجرد تبرع، بل كان مشروع استدامة بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، وهو المفهوم ذاته الذي تسعى إليه المؤسسات غير الربحية الحديثة حين تعمل على بناء برامج مستدامة تحقق أثراً طويل الأمد بدلاً من الحلول المؤقتة ، لذلك فإن كل من يعمل بإخلاص في هذا القطاع، وكل من يسهم في بناء مؤسسة خيرية قوية، أو برنامج تنموي ناجح، أو وقف مستدام، إنما يسير على ممشى خطى عظيمة بدأت من هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتجسدت في أعمال صحابته الكرام، واستمرت حتى يومنا هذا بأدوات وأساليب تناسب العصر دون أن تفقد جوهرها الإيماني والإنساني ، إن القطاع غير الربحي ليس قطاعاً ثالثاً فحسب، بل هو مساحة تتجلى فيها قيم الرحمة والمسؤولية والتكافل التي جاء بها الإسلام ، وكلما ازداد هذا القطاع احترافية وتنظيماً وشفافية، اقترب أكثر من تحقيق رسالته الحقيقية، ورسخ أثره في بناء المجتمعات وصناعة الخير المستدام.

ذلك هو “ممشى خطاه”؛ أن يتحول العطاء من فعل مؤقت إلى منهج، ومن إحسان فردي إلى أثر مؤسسي، ومن رغبة في الخير إلى صناعة للخير تستمر بعد أصحابها، كما أرادها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وكما جسدها عثمان بن عفان رضي الله عنه في واحدة من أعظم صور العطاء المستدام عبر التاريخ.

 

د. جواهر الروقي
@joj_alrogi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop