لم تكن النَّميمةُ يومًا جديدةً على المجتمعات البشريَّة، فهي سلوكٌ قديمٌ بقدم المجالس والأسواق، تتغذَّى على الفضول والرَّغبة في تداول الأخبار الخفيَّة. الجديدُ اليوم ليس النميمة ذاتها، بل المنصَّة التي تحملها، والسرعة التي تنتشر بها، والحجم الذي وصلت إليه. لقد نقلت منصَّات التواصل الاجتماعيِّ النميمةَ من هامش الحديث الخاصِّ، إلى صدارة المشهد العامِّ، ومن همس المجالس، إلى ضجيج الفضاء الرقميِّ.
في السَّابق، كانت النميمةُ محدودةَ الجغرافيا والتأثير؛ تبدأ وتنتهي داخل دائرة ضيِّقة، وغالبًا ما تخفتُ قبل أنْ تتحوَّل إلى أذى واسعٍ. أمَّا اليوم، فقد أصبحت -»قصَّة»، أو «تغريدة»، أو «مقطعًا قصيرًا»- قادرةً على الوصول إلى آلاف، وربَّما ملايين، خلال دقائق. ومع هذا الانتشار، تتحوَّل النميمةُ من سلوك اجتماعيٍّ عابر، إلى قوَّة ضغط جماعيٍّ، تصنع الرأي، وتشوِّه السمعة، وتُعيد تعريف الأشخاص في الوعي العام، بناءً على رواية ناقصة أو مجتزأة.
تقوم خوارزميَّات منصَّات التواصل بدور خفيٍّ، لكنَّه بالغ التأثير. فهي لا تروِّج للمعلومة الأصدق، بل للأكثر إثارة. وكلَّما كان المحتوى مشحونًا بالتَّلميح والاتِّهام والفضول، زادت فرص انتشاره. وهكذا، تصبح النميمةُ سلعةً رابحةً، تُكافأ بالإعجابات والمشاركات، ويُعاد إنتاجها بصيغ أكثر حدَّة، حتَّى تفقد أيَّ ارتباط بالحقيقة، وتتحوَّل إلى رواية جماعيَّة يصعب تفكيكها.
الأخطر من ذلك، أنَّ منصَّات التواصل ألغت المسافة بين المتلقِّي والمشارك. لم يعد الفرد مستمعًا فقط، بل صار جزءًا من السلسلة: يعلِّق، ويحلِّل، ويضيف، وأحيانًا يتَّهم. ومع كل مشاركة، تتضخَّم القصَّة، ويتراجع الحسُّ الأخلاقيُّ خلفَ شعور زائفٍ بالبراءة؛ فالجميع يفعل ذلك، والجميع «ينقل ما قيل». وهنا تفقد المسؤوليَّة معناها، وتضيع الحقيقة بين الألسنة الرقميَّة. ولأنَّ النميمة الرقميَّة غالبًا ما تتخفَّى في ثوب «الرَّأي»، أو «التَّحليل»، أو «التَّحذير»، فإنَّها تكتسبُ شرعيَّةً اجتماعيَّةً خطيرةً. يتم تداول تفاصيل خاصة، واقتطاع مواقف من سياقها، وربط أحداث بلا دليل، تحت شعار النقاش العام. وفي هذه البيئة، يصبحُ الصَّمتُ ضعفًا، والتَّريثُ تواطؤًا، بينما يُكافأ مَن يرفع صوته، لا من يتحقَّق.
لا تقف آثار هذا السلوك عند الأفراد وحدهم، بل تمتدُّ إلى النسيج الاجتماعيِّ ككل. فحين تصبح النميمةُ ممارسةً يوميَّة، تتآكلُ الثِّقةُ، ويتحوَّل الاختلافُ إلى تشكيكٍ، والفضولُ إلى محاكمةٍ علنيَّةٍ. مجتمع يعيش على تداول الإشاعات، هو مجتمع قلق، سريع الاتِّهام، بطيء الاعتذار. ومع ذلك، فإنَّ تحميل المنصَّات وحدها المسؤوليَّة يظلُّ تبسيطًا مريحًا. فهذه المنصَّات لا تخلق النميمةَ من العدم، لكنَّها تكشف ما فينا وتضخِّمه. السؤال الحقيقي ليس: لماذا تنتشر النميمة؟ بل: لماذا نجدُ فيها متعةً؟ ولماذا نشاركها حتَّى ونحن نعرف أذاها؟ ونعرف حكمها شرعًا، في ديننا الإسلاميِّ؟
إنَّ مواجهة النميمة في عصر التَّواصل لا تبدأ بالتقنيات، ولا باللوائح فقط، بل بإعادة تعريف دور الفرد في الفضاء العام. فكل إعادة نشر هي موقف، وكل تعليق هو شهادة، وكل صمت متعمَّد عن الأذى هو شكل من أشكال المسؤوليَّة.
في زمن أصبحت فيه الكلمة أسرع من التفكير، وأكثر دوامًا من الذاكرة، ربما يكون أكثر الأفعال شجاعة هو الامتناع. الامتناع عن المشاركة، عن التَّلميح، عن تحويل حياة الآخرين إلى محتوى. فليس كل ما يُقال يُنشر، وليس كل ما يُنشر يستحقُّ أنْ يُصدَّق.
د. سعود الغربي
@S_F_Algharbi
مؤسس ورئيس جمعية إعلامبون