ما سأطرحه ليس هواجس شخصية، بل هو همس مجتمع ربما يحين الوقت لسماع صوته. فقد كان عام 2005 بمثابة ميلاد جديد لمنطقة الجوف مع ولادة جامعتها، التي أينعت بعد سنين عجاف على مستوى التعليم. كانت أوضاع التعليم آنذاك بين المطرقة والسندان؛ فإما أن يُحشر شباب المنطقة (من الجنسين) في هياكل تعليمية تقليدية جلّ مخرجاتها (معلمون) — ولا شك أن مهنة التعليم من أفضل المهن — إلا أن محدودية الخيارات داخل المنطقة وضعت أبناءها بين خيارين: الانخراط في تلك المسارات أو الهجرة لمن استطاع إلى أي من جامعات المملكة بحثاً عن التنوع في تخصصات العلوم والطب والهندسة وغيرها.
اليوم يهمس المجتمع الجوفي بقلق عما يُتداول حول الاتجاه لتحويل الجامعة إلى جامعة تطبيقية. هذه الخطوة — إن حدثت — يراها الكثيرون خطوة تعليمية قد تفقد الشباب فرصة دراسة البكالوريوس في التخصصات المختلفة، وهو ما سيترك أثراً سلبياً على المجتمع الذي ازدهر تعليمياً بفضل موجات الخريجين من أبناء المنطقة وغيرهم في تخصصات يحتاجها المجتمع بشدة، مثل الطب والهندسة والصيدلة والعلوم وعلوم الحاسب الآلي.
إن حصر الجامعة في المجالات التطبيقية، في ظل احتياجات سوق العمل المحلية والوضع الاجتماعي الذي يتجاوز مجرد فرص الدبلوم، قد يحدّ من فرص متابعة الدراسات العليا كالماجستير والدكتوراه. وبرغم أن المنهج التطبيقي منهج تعتمده كثير من الجامعات العالمية الرائدة، إلا أن تقييمه له مختصّون يدركون أبعاده ومخرجاته. غير أن تطبيقه في منطقة مثل الجوف، وفي جامعة قدّمت خيارات أكاديمية ممتازة لأبنائها ولأبناء المملكة كافة، قد يحمل آثاراً غير محمودة.
يرى إنسان الجوف في جامعته صرحاً أكاديمياً يتوافق مع رؤية 2030 في مسارات التعليم والتنمية. وأي اختلال في وضع الجامعة الأكاديمي سيخلق إشكالات اجتماعية بسبب طموح شباب المنطقة إلى التخصصات العلمية الأكثر حاجة، مما قد يدفعهم للاتجاه نحو جامعات أخرى. نعم، كل جامعات الوطن مفتوحة أمام أبناء الوطن، والدولة — رعاها الله — لم تدخر جهداً في دعم المواطن، لكن جامعة الجوف صنعت لأهلها أماناً تعليمياً واستقراراً لأبنائها. أما البدائل فستكون مكلفة مالياً واجتماعياً على الأسر لتأمين متطلبات حياة الطالب خارج أسرته، خاصة في ظل الغلاء الذي قد لا تستطيع كثير من الأسر تحمّله، فضلاً عمّا قد يسببه ذلك من حرمان الشباب — وخصوصاً الفتيات — من فرص تعليمية تلبي الطموح.
إن تحويل جامعة الجوف إلى جامعة تطبيقية قد يحمل مزايا على مستوى الوطن في مخرجات مهنية تتوافق مع المتطلبات الوطنية، في ظل ما يشهده الوطن — ولله الحمد — من نقلات اقتصادية وتنظيمية عالية. ولكن بالنسبة للجوف والجامعة ذاتها، فإن أثره سيكون سلبياً، فهو سيُنهي آمال طلاب المنطقة في فرص أكاديمية، ولا سيما العلمية منها، التي يحتاجها المجتمع لصنع الكفاءات المطلوبة للتنمية.
والتغيير — بنظر الهامسين — ليس مجرد خطوة إدارية لسد حاجة؛ إنه تغيير ستكون له آثار سلبية على مخرجات التعليم، وعلى الاقتصاد المحلي الذي يحتاج إلى أدوات فاعلة في عجلة التنمية. إن استمرار الجامعة بوضعها الحالي وتقويتها إدارياً وأكاديمياً مطلب اجتماعي لمردوده الإيجابي على المنطقة تنموياً واجتماعياً واقتصادياً.
إن هاجس تغيير هوية الجامعة سيؤدي أيضاً إلى رحيل الكفاءات من أعضاء هيئة التدريس، وتراجع فرص الاستثمار لضعف النشاط الجامعي وخدماته المساندة، وكذلك رحيل الطامحين من شباب المنطقة إلى مناطق أخرى بما يحمله ذلك من تبعات اجتماعية واقتصادية.
ويتفق الجميع على أن التطوير مطلب ضروري ومُلحّ، لكن بشرط ألا يقضي على الفرص أمام شباب المجتمع وما يطمحون إليه ضمن المنهج الأكاديمي التعليمي. فالجامعة ما زالت ناشئة، وقدراتها ومقدراتها مؤهلة للاستمرار في مسارها الأكاديمي. وقد أدركت الدولة — أعزها الله — أهمية هذه الجامعة للمنطقة والوطن عموماً، فخصّصت لها الموارد التي جعلتها اليوم من بين الجامعات المرموقة.
إن آمال المواطنين تتجه إلى الحفاظ على استقرار الجامعة التعليمي لأبناء المنطقة والوطن، واستمرارها وعاءً تعليمياً تُتاح فيه فرص متنوعة لمخرجات تخدم الوطن وسوق العمل. ويدرك الهامسون جهود أمير المنطقة فيما فيه خيرها، خاصة فيما يتعلق بالجامعة أو أي مشاريع تنموية لخدمة الوطن والمواطن.
كما أن إدارة الجامعة، من رئيسها إلى مجلس إدارتها وكافة منسوبيها، لم يتوقف طموحهم عند ما وصلت إليه الجامعة من مستويات، بل يعملون للأفضل. وهم يدركون أهمية النهج الأكاديمي الذي أثمر كوادر وطنية أسهمت في البناء والتنمية. ولا شك أنهم يبذلون جهوداً مقدرة لاستمرار هذا النمو مواكبةً للمستوى الأكاديمي الذي بلغته الجامعة بين جامعات المملكة.
ويبقى أملهم وأمل المجتمع بالله ثم بقيادة هذا الوطن العظيم أن تُحافظ الجامعة على هويتها التعليمية، وألا تُنتزع لبنة من لبنات التطور الذي تستند إليه مسارات التنمية في المنطقة.
السفير م. دهام الدهام
عضو جمعية إعلاميون