مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

من الأرض للسماء

في زحام الحياة، وبين ضجيج التفاصيل اليومية، يضيق القلب أحيانا ويشعر الإنسان بثقل لا يزول بكلمة، ولا يهدأ بنصيحة. لحظات كهذه لا يطفئ نارها سوى لجوء صادق إلى الله، ووصال روحي يسمو بالروح عن كل ما يؤلمها. ذلك هو التواصل الإيماني، هو الخيط الخفي الممتد بين الأرض والسماء، بين ضعف العبد وكمال الرب.، الذي لا يحتاج إلى أوقات محددة ولا أماكن خاصة، بل يكفي أن ينكسر القلب في لحظة صدق ليفتح الله له أبواب السكينة والنور.

التواصل الإيماني ليس دعاء فحسب، بل هو حالة من الوعي القلبي المستمر، استشعار معيّة الله في تفاصيلنا، وإحساس بأنك لست وحدك، وأن الله يعلم ويرى ويسمع ويرتب. هو أن ترفع يديك وأنت على يقين أن فوق السماء ربا لا يخيبك، وأنك حين تقول يا الله فإن السماء تفتح، والرحمة ترسل، والطمأنينة تنزل.

تجليات هذا التواصل ما نعيشه كل يوم في الصلاة، حين نقرأ سورة الفاتحة، تلك السورة التي ليست مجرد كلمات، بل حوار حقيقي بين العبد وربه. حين تقول الحمد لله رب العالمين فإن الله يرد عليك حمدني عبدي، وتستشعر ذلك. وعندما تثني عليه بالرحمن الرحيم يقول أثنى علي عبدي. وعندما تقول مالك يوم الدين يجيب مجدني عبدي. ثم تصل إلى أجمل ما يمكن أن يقوله القلب إياك نعبد وإياك نستعين، هنا يقول الله هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. وفي ختام السورة حين تدعوه اهدنا الصراط المستقيم يجيبك الله هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل.

أي مشهد أصفى من هذا ، وأي قرب أعظم من أن يخاطبك رب العالمين في كل صلاة، في كل ركعة، في كل يوم. ليس في الوجود كله حوار أنقى، ولا وصال أصفى من هذا. رب العالمين يسمعك، ويرد عليك، ويشعرك بأنه أقرب إليك من نفسك، وأنك حين تتجه إليه فإنك لست بحاجة إلى وسيط، بل يكفي أن تكون صادقا، حاضر القلب، موقنا بأنه لن يردك خائبا.

التواصل الإيماني يربّي النفس على التوكل، وعلى الرضا، وعلى التسليم لله في كل شيء. هو الذي يجعل المؤمن ساكن القلب وسط العواصف، مطمئنا في غمار الخوف، مستبشرا حتى في أحلك اللحظات، لأنه يعلم أن الله لا يخذل من وثق به، ولا يرد من قصده بقلب مخلص.

همست في نفسي موقنا بأن في قلوبنا فراغا لا يملؤه شيء من الدنيا، مهما اجتمع لنا من مال أو علاقات أو نجاحات. ذلك الفراغ لا يملؤه إلا علاقتنا مع الله، ولا يسكنه إلا ذكره، ولا يضيئه إلا القرب منه. فكلما ضعفت اقترب، وكلما ضاقت بك الأرض فارفع يديك. ليس بينك وبينه حجاب، وقل يا الله بصدق، وستجد أن بينك وبينه أقل من مسافة قلب، إن صدق وصل.

 

بدر الغامدي
‏@badrghamdi2030
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop