رحلة التحوّل الداخلي للإنسان تجربة يخوضها كل واحد منا، فالتردد ليس ضعفًا في الشخصية بقدر ما هو خوف متخفٍ، يتقمص أحيانًا هيئة الحكمة وأحيانًا هيئة الحذر، ونحن لا نتردد لأننا لا نعرف الطريق بل لأننا نخشى نتائجه؛ نخشى الخطأ والخسارة ونظرة الآخرين والفشل، وأحيانًا نخشى النجاح ذاته. التردد ليس حالة عقلية فقط بل حالة نفسية عميقة تنشأ من تراكم التجارب والخيبات ومن تربية قائمة على الخوف لا على التجربة، ومن مجتمع يعاقب الخطأ أكثر مما يكافئ المحاولة، ولذلك لا يمكن الانتقال إلى الثقة دون فهم جذور التردد التي غالبًا ما تتجسد في الخوف من الفشل أو الرفض أو النقد أو في انعدام الثقة بالنفس والاعتماد الزائد على رأي الآخرين أو في تجارب سابقة مؤلمة، فالتردد ليس عيبًا أخلاقيًا بل استجابة نفسية طبيعية لحماية الذات، ونحن لا نتردد لأن الخيارات كثيرة بل لأننا نخشى أن نخون صورة قديمة عن أنفسنا. أما الثقة فهي ليست جرأة مفاجئة ولا اندفاعًا ولا صوتًا عاليًا ولا تحديًا أعمى، بل هي طمأنينة داخلية عند اتخاذ القرار رغم وجود الخوف، فالشخص الواثق لا يخلو من الخوف لكنه لا يسمح له أن يقوده. ويبدأ التحول حين نمتلك الوعي والنية في التغيير، امتثالًا للقاعدة الربانية ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فالاعتراف بأننا مترددون لأننا خائفون لا لأننا عاجزون هو بداية الحل، ثم حين نكسر وهم الكمال وندرك أنه لا يوجد قرار كامل بل قرار شجاع، وحين نسمح لأنفسنا بالتجربة الصغيرة لأن الثقة لا تولد بالقفزات الكبيرة بل بالخطوات المحدودة التي تبني مع كل نجاح لبنة جديدة من الثبات، وحين نعيد تعريف الفشل بوصفه بيانات تعليمية لا نهاية للطريق، وحين نخفف ارتباطنا برأي الآخرين لأن الثقة تبدأ عندما يصبح رأينا عن أنفسنا أهم من رأيهم عنا، وحين نبني هوية داخلية واضحة نسأل فيها من نحن وماذا نريد وماذا نؤمن به وما الذي لا نقبله، فالإنسان الواضح داخليًا لا يتردد خارجيًا. إن التحول الحقيقي من التردد إلى الثقة لا يحدث فجأة بل يتشكل عندما نختار القرار رغم الخوف، ونختار الحركة رغم الشك، ونقول سأحاول بدل أخاف، فالثقة ليست غياب الاضطراب بل القدرة على التحرك رغم وجوده. وفي الخلاصة، الانتقال من التردد إلى الثقة ليس انتقالًا في السلوك فقط بل انتقال في الهوية، من إنسان ينتظر الطمأنينة ليبدأ إلى إنسان يبدأ ليصنع الطمأنينة، ومن عقل يسأل ماذا لو فشلت إلى وعي يقول ماذا لو نجحت وماذا لو تعلمت وكبرت، فالثقة لا تعني أنك لن تخطئ بل أنك لن تتوقف بسبب الخطأ، وكل مرة تختار فيها الفعل بدل التردد تولد نسخة أقوى منك وأكثر ثباتًا ووضوحًا وشجاعة وحرية. وإن أردت هدم القلق فلا تحاربه بل افهمه، وإن أردت إنهاء التوتر فلا تضغط على نفسك بل اترك لها مساحة، وإن أردت قتل التردد فلا تنتظر اليقين بل تحرك بالنية، فالنفس حين تُعامل بلطف تصبح قوية من تلقاء نفسها، وإن شعرت بعد هذا المقال بهدوء بسيط فهذا كافٍ الآن، لأن منح الثقة لأنفسنا يفتح نافذة جديدة نرى منها العالم من منظور الشمس المشرقة.
سمر سندي
@SamarSi_27
عضو جمعية إعلاميون