في السنوات الأخيرة، بدا واضحاً أن التحول في المشهد الإعلامي لا يحدث فقط في شكل المنصات الرقمية أو سرعة النشر، بل في طريقة إعداد الإعلامي نفسه. فالإعلام لم يعد مهنة تعتمد على المهارة التقنية وحدها، بل أصبح منظومة معايير تتداخل فيها المهنية، والأخلاقيات، وفهم الجمهور.
اليوم نشهد بروز جهات إعلامية لم تعد تكتفي بإنتاج المحتوى، بل بدأت تبني مسارات تدريب وتأهيل مهني متخصصة، مثل برنامج IGNITE ،أكاديمية الإعلام السعودي، وأكاديمية واس للتدريب الإخباري. لم يعد الهدف مجرد التوظيف، بل ضمان الجاهزية. ولم تعد الشهادة وحدها معياراً، بل الوعي والأداء المهني.
مثلاً، يعمل برنامج IGNITE كمنصة متكاملة لصناعة المحتوى الرقمي عبر ٤ مسارات و٣٦ مبادرة تشارك فيها ٢٠ جهة حكومية؛ منها مبادرة “تواصل+” بوزارة الإعلام، وبرامج “صُنَّاع الأفلام” بوزارة الثقافة، وصولاً لمركز أبحاث المحتوى الرقمي بهيئة الإعلام المرئي والمسموع. فالهدف هنا واضح وهو صنع محتوى محلي أفضل عبر تطوير مهارات الموهوبين.
في المقابل، لم يتوقف التطور عند إعداد الممارسين، بل امتد للاستثمار في القيادات الإعلامية. فظهرت برامج نوعية مثل “مسار القادة” بأكاديمية الإعلام السعودي، الذي شارك فيه العام الماضي أكثر من ٤٠ قائداً وقائدة في برامج مكثفة تخللتها محطات دولية في لوزان وسنغافورة وتكساس، بالتعاون مع جامعات عالمية مثل (EHL) و (NUS) هذا التوجه يركز على إعداد قادة قادرين على إدارة المؤسسات وصناعة القرار برؤية استراتيجية.
هذا التوجه يكشف عن مرحلة جديدة من التكامل، فالجامعة لم تعد معزولة عن احتياج السوق، والمؤسسة الإعلامية، مثل وكالة الأنباء السعودية أصبحت تشارك في صياغة معايير جاهزية الخريجين عبر أكاديميتها المتخصصة، بما يتواءم مع مستهدفات رؤية السعودية ٢٠٣٠.
قد تبدو هذه التحولات هادئة وغير صاخبة، لكنها تعيد تشكيل المشهد من الداخل. وأجد نفسي اليوم، وأنا أستحضر سنوات البحث والتحليل التي قضيتها في رسالتي للدكتوراه، أشعر بفخر واعتزاز وأنا أرى تلك التوصيات التي سطرتها تتحول إلى واقع ملموس، حيث كان جُل تركيزي على أن تعزيز مصداقية المتخصص الإعلامي هو المحرك الأساسي لرفع مستوى الثقة والإدراك لدى الجمهور السعودي، لا سيما في منصة (𝕏). نحن اليوم لا نطور أدواتنا فقط، بل نبني جسور الثقة مع الجمهور بالكفاءة والمصداقية.
د. مها الشريف
imahaalshreef@
عضو جمعية إعلاميون