لم يعد النفوذ الرقمي يقاس بعدد المتابعين،ولا بقيمة الانتشار اللحظي بل بما يحدثه المحتوى من تغيير حقيقي في وعي المتلقي وسلوكه. في عصر امتلأت فيه المنصات بالضجيج، برز مفهوم جديد يعيد تعريف التأثير وهو الانتقال من “مجرد مؤثر” إلى “صانع قيمة”.
والمفارقة أن هذا التحول لا يرتبط بحجم المنصة بل بنوعية الرسالة وبعمق الأثر الذي يظل حاضرًا حتى بعد إغلاق الشاشة. فالمؤثر العابر يلهث خلف الاهتمام، بينما صانع القيمة يصنع معنى يستحق الاهتمام. الأول يبحث عن إعجاب سريع والثاني ينحت أثر بطيئ لكنه ثابت.
وفي الفضاء الرقمي، لا ينجو إلا من قدم محتوى يضيف للحياة شيئًا: فكرة تُنضج، أو رؤية تفتح بابًا لحوار راقي. فالقيمة هي البصمة الوحيدة التي تبقى وهي التي تمنح صاحبها “شرعية التأثير” لا مجرد ظهوره. التحول من التأثير إلى صناعة القيمة يتطلب وعيًا مضاعفًا؛ وعي بأن المحتوى ليس صورة تنشر، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية. وأن كل ما يكتب أو يقال يشكل ذائقة جماعية ويسهم في بناء أو هدم منظومة وعي المجتمع.فصانع القيمة يدرك أن كلمته قد تبني جسورًا بين المختلفين أو تحيي فضيلة غابت في زحمة الرأي والصوت.
والفرق الجوهري بينهما يظهر في التفاصيل الصغيرة: تعليق واحد متزن قد يخفف حدة حوار محتدم وطرح موضوعي قد يحمي جمهورًا من التوجه نحو أحكام جاهزة، ومحتوى مدروس قد يفتح نافذة للمعرفة في مساحة يغلب عليها التكرار. هنا يكمن جوهر صناعة القيمة بأن تكون إضافة لا تكرار وأن تصبح مصدر وعي لا مصدر ضجيج. صانع القيمة لا يسعى لزيادة المتابعين بقدر ما يسعى لزيادة الأثر. يرى أن أهم إنجاز رقمي ليس عدد المشاركات، بل عدد العقول التي استيقظت والقلوب التي هدأت والاتجاهات التي تغيرت نحو الأفضل. وهو يدرك أن الشفافية والنزاهة والدقة ليست خيارات تجميلية بل أساس لوجوده وثقة الناس به. وفي عالم تتكاثر فيه الأصوات، تظل القيمة هي الصوت الذي لا يتلاشى. فمن يختار أن يكون صانع قيمة يختار أن يرتقي بالمنصة قبل أن يرتقي بذاته وأن يقدم معنى يشار إليه بفخر لا محتوى يستهلك ثم ينسى. وهكذا، يصبح التأثير الحقيقي فعل بناء وتصبح الكلمة الواعية قيادة ويصبح الإنسان قبل المحتوى هو الرسالة. وفي النهاية، الانتقال من “مؤثر” إلى “صانع قيمة” ليس لقبًا يمنح بل سلوك يمارس وأثر يثبت وتاريخ يكتب بصمت لكنه يبقى ولا يمحى.
أ. نادية الجودي
@Nadiaaljoud
عضو جمعية إعلاميون