حين يتفوّق العلم على القوة؛ فورد في الذكر الحكيم: “قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ” [النمل: 38-40]
في مشهد قرآني بديع من قصة سليمان عليه السلام، تتجلى أمامنا حقيقة إنسانية خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان حين طلب سليمان إحضار عرش بلقيس تقدّم عفريت من الجن معلناً قدرته على تنفيذ المهمة قبل أن ينفضّ المجلس مستنداً إلى ما يملك من قوة كان عرضه تعبيراً عن الثقة بالقدرة والإمكانات المادية التي بين يديه؛ لكن المشهد لم ينتهِ عند هذا الحد فقد نهض صوت آخر لا يتحدث عن القوة ولا عن النفوذ وإنما عن العلم قال الذي عنده علم من الكتاب «أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك».
وبين العرضين مسافة ليست في الزمن وحده بل في المعنى أيضاً مسافة بين من يعتمد على القوة ومن يستند إلى المعرفة كأن القصة تخبرنا أن القوة مهما بلغت عظمتها تظل محدودة بأدواتها أما العلم فإنه يفتح آفاقاً جديدة تتجاوز المألوف وتعيد تعريف الممكن والمستحيل فالقوة تنجز لكن العلم يختصر الطريق والقوة تحرك الأشياء أما العلم فيغيّر قواعد الحركة نفسها.
ولعل هذا المشهد القرآني يلخص مسيرة الحضارة الإنسانية بأكملها فما أوصل الإنسان إلى أعالي السماء لم يكن قوة عضلاته وما جعله يعبر القارات في ساعات لم يكن بطشه وما مكّنه من علاج الأمراض وكشف أسرار الكون لم يكن سوى العلم والمعرفة
ومع ذلك فإن القصة لا تمجّد العلم بوصفه وسيلة للسيطرة أو التفوق فحسب بل تضعه في موضعه الصحيح نعمة من الله وفضل منه؛ فالقرآن لم يقل إن الرجل كان يملك الكتاب كله بل قال «عنده علم من الكتاب». وكأن في ذلك تذكيراً بأن ما نملكه من معرفة مهما اتسعت ليس إلا قطرة من بحر العلم الإلهي اللامتناهي.
إن أعظم ما نتعلمه من هذا المشهد أن مستقبل الأمم لا يُبنى بالقوة وحدها وأن النفوذ بلا معرفة قد يفرض هيبته زمناً ثم يذبل بينما يبقى العلم قادراً على صناعة التحولات الكبرى وتغيير مسار التاريخ فالقوة قد تمنح الإنسان السيطرة وربما تزول بعدة أسباب فهي قابلة للتبدل والتحول والتغيير أما العلم فيمنحه الرؤية والقوة قد تفتح الأبواب المغلقة أما العلم فيكشف أن بعض الجدران لم تكن موجودة أصلاً.
وهكذا تبقى قصة العرش درساً متجدداً لكل عصر أن المعرفة ليست ترفاً فكرياً بل هي القوة الأعمق والأبقى أثراً وأن العلم حين يقترن بالحكمة والإيمان يصبح قادراً على تحقيق ما تعجز عنه أقوى القوى المادية.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والاتصالات التي تنقل المعلومات عبر العالم في أجزاء من الثانية تتجدد دلالة هذا المشهد القرآني بصورة لافتة فالتقدم الذي يغيّر حياة البشر اليوم لا يقوم أساساً على القوة الخام؛ بل على المعرفة المتراكمة والقدرة على توظيفها بذكاء.
وكلما حققت البشرية قفزات تقنية جديدة ازداد وضوح الحقيقة التي أبرزتها قصة العرش منذ قرون أن حدود الممكن تتسع بالعلم وأن أعظم التحولات تبدأ بفكرة ومعرفة قبل أن تتحول إلى إنجاز مادي لذلك تظل القصة رسالة حية لعصرنا تذكّرنا بأن الاستثمار في العلم ليس خياراً حضارياً فحسب بل هو الطريق الأوثق لصناعة المستقبل وخدمة الإنسان وتحقيق الخير في العالم.
هناء الخويلدي
@Hana69330082
عضو جمعية إعلاميون