لم تعد المعرفة في زمننا حكرًا على المدرسة أو الأسرة فقط، بل أصبح الأبناء يعيشون في عالم مفتوح تتدفق فيه الأفكار بلا استئذان، وتصلهم الرسائل والقيم من كل اتجاه.
فلم تعد التربية تقتصر على التوجيه المباشر، بل أصبحت صناعة الوعي معركة يومية بين ما يغرسه البيت، وما تبثه الشاشات، وما يفرضه الواقع الاجتماعي.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من يصنع وعي أبنائنا اليوم؟ الأسرة كانت وما زالت اللبنة الأولى في بناء الوعي، فهي المصدر الأول للقيم والمبادئ، ومنها يتعلم الطفل معنى الصدق، الاحترام، المسؤولية، والانتماء… الخ
لكن الواقع تغيّر، وأصبحت الأسرة تواجه منافسين أقوياء في التأثير؛ أبرزهم العالم الرقمي بمحتواه المتنوع، الذي يحمل في داخله النافع والضار.
اليوم، يقضي الأبناء ساعات طويلة أمام الشاشات، يتلقون أفكارًا وسلوكيات قد تتسلل إلى عقولهم دون وعي منهم أو انتباه من الأسرة. المؤثرون، الألعاب الإلكترونية، المقاطع القصيرة، والمنصات الاجتماعية، كلها أصبحت أدوات تصنع الرأي وتوجّه الفكر، وأحيانًا تعيد تشكيل القيم.
وهنا تكمن المسؤولية؛ فالمشكلة ليست في وجود التقنية، بل في غياب التوجيه. فالطفل الذي لا يجد حوارًا داخل أسرته، سيبحث عن الإجابات خارجها. والابن الذي لا يجد احتواءً حقيقيًا، قد يجد الانتماء في عالم افتراضي لا يعرف حدوده.
إن صناعة الوعي لا تحتاج فقط إلى رقابة، بل إلى حضور فعلي من الأسرة، وإلى بناء جسور من الحوار والثقة، لأن الوعي لا يُزرع بالأوامر، بل بالفهم والقدوة والاهتمام.
وعي الأبناء أمانة كبيرة، وهو أساس بناء المجتمع ومستقبله. وإذا كنا نخشى على أبنائنا من التأثيرات الخارجية، فعلينا أولًا أن نعزز حضورنا في حياتهم، وأن نكون المصدر الأقرب والأصدق لهم. فالعالم اليوم مفتوح، لكن الحصن الحقيقي يبقى بيتًا واعيًا، وأسرة حاضرة، وقلبًا يسمع قبل أن يحكم.
همسة: إذا لم نصنع وعي أبنائنا بأيدينا، سيصنعه العالم عنّا.. بطريقة قد لا تتناسب مع مبادئنا وقيمنا وثقافتنا وديننا.
مرفت محمود طيب
@mervat4682
عضو جمعية إعلاميون