مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

مهرجان ثادق التراثي الثاني

في زوايا المدن والمحافظات والقرى، ثمة حراكٌ يتجاوز فكرة الترفيه العابر؛ حراكٌ يبعث الدفء في الوجدان، ويعيد هندسة العلاقة بين الإنسان ومكانه الأول.
‏إن فكرة تنظيم المهرجانات الشعبية التي تنامت مؤخرًا في المملكة ليست مجرد كرنفالات احتفالية، بل هي منصات حيوية تعيد إنتاج رأس المال الاجتماعي؛ فعندما يُشرع باب بيت قديم، وتعود الحرف اليدوية لتتصدر المشهد، نحن لا نستعيد الماضي فحسب، بل نمارس أرقى أشكال التمكين المجتمعي، حيث يتحول الأهالي إلى رواد ثقافة وحراس هوية، مما يعزز شعورهم بملكية مقدراتهم التاريخية، ويحيل التراث من أطلال صامتة إلى مورد حيوي يضخ الحياة في شرايين التنمية المحلية.
‏ويتجلى هذا في أبهى صوره عبر مهرجان “ثادق التراثي 2″، الذي يُقام خلال الفترة من 19 – 27 رجب 1447هـ (الموافق 8 – 16 يناير 2026م) تحت شعار “ثادق.. إرثٌ وحاضر”.
‏هذا الحدث لا يكتفي بعرض المنتجات، بل يغوص في عمق الذاكرة، مستحضرًا فلسفة “البيت المفتوح” بعبارة ” #نورتوا_الديرة “؛ لتسمع صدى الترحيب يملأ المكان، مجسداً قيمة “الثقة المجتمعية” والروابط الأسرية العميقة، ليعيد تقديمها لجيل اليوم كقيمة معاشة وحية، لا مجرد حكايات تُروى.
‏وفي أروقة القرية التراثية، نلمس تطبيقًا عفويًا لمفهوم “التصميم التشاركي”؛ فالفعاليات هي نتاج تضافر جهود الأهالي والأسر المنتجة، ولا تتوقف عند استعراض الماضي، بل تمتد لتصنع حوارات الحاضر؛ إذ يتزين المهرجان بافتتاح “بيت #ال_حمود_الهاجري ” وغيره من المعالم التي تحولت إلى مزارات تنبض بالحياة، لتكون مسرحًا للقاءات نوعية تجمع الزوار بشخصيات قيادية في المحافظة، فاتحةً قنوات اتصال مباشرة تكسر الحواجز الرسمية في أجواء حميمية.
‏كما يُثرى المشهد بجلسات شعرية، وحكايا الأجاويد، والحديث عن الآثار، ولقاءات إعلامية تجمع صناع الكلمة والصورة، ليتحول المهرجان إلى منبر فكري يوثق القصص وينقل التجارب.
‏هنا يتحقق العائد الاجتماعي؛ حين يرى الحرفي تقدير المجتمع لمهنته، ويجد الزائر نفسه جزءًا من نسيج المكان، ومع تخصيص مساحات لألعاب الأطفال ومسرح للطفل وأركان للأكلات الشعبية، يترسخ مفهوم الاستدامة الاجتماعية، بتوريث حب المكان عبر الأجيال في أجواء تمزج الفرح بالفائدة.
‏إن ما يحدث في “ثادق التراثي2” هو درس في التنمية بالمشاركة المجتمعية؛ مفاده أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الجذور، وأن المجتمعات الحية هي التي تتقن فن تحويل ذاكرتها إلى طاقة متجددة، لتؤكد أننا بمشاركتنا الفاعلة قادرون على صناعة مستقبل يشبه أصالتنا.

 

د. يوسف الهاجري
‏@aboaadl2030
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop