تُعد رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب الطيب صالح أيقونةً أدبية خالدة، لا تكتفي بكونها نصاً قصصياً، بل تُشكّل مرآةً تطرح قضايا إنسانية عميقة حول الهوية والبحث عن الذات. ومن المثير للاهتمام اليوم أن نجد تقاطعاً رمزياً بين تلك الهجرة نحو الشمال الأوروبي، وبين ظاهرة هوس السكن في شمال الرياض، حيث تعكس الأخيرة نوعاً آخر من الهجرة الداخلية المحكومة بدوافع اجتماعية واقتصادية بالغة التعقيد.
في الرواية، يمثّل الشمال فضاءً رمزياً للحداثة والتقدم؛ فضاءً يجذب الأبطال ببريق الحضارة الغربية وقوتها. وبذات الكيفية، يُنظر اليوم إلى شمال الرياض بوصفه منطقة تجسّد الحداثة في أبهى صورها؛ فهو الحاضن لأرقى الأحياء، والمراكز التجارية، والخدمات العصرية. هذه الجاذبية لا تتوقف عند حدود الرفاهية، بل تدفع السكان إلى البحث عن نمط حياة عصري وبنية تحتية متطورة تليق بالنجاح في صورته المعاصرة. لقد تحوّل السكن في الشمال من مجرد خيار مكاني إلى مؤشر على الارتقاء الاجتماعي، مما خلق فتنةً عقارية جعلت البعض يشدّ الرحال إليه، حتى لو كان الثمن التخلي عن مساحات شاسعة في جهات أخرى من المدينة مقابل مساحات ضيقة بأسعار مضاعفة.
ويتجلّى هذا الهوس بوضوح في الركض خلف التمويل العقاري، حيث يجد الكثيرون أنفسهم أمام فخ الهجرة الحديثة: التزامات مالية وأقساط تمتد لثلاثين عاماً، تلتهم حصة الأسد من دخولهم الشهرية، فقط لانتزاع موطئ قدم في تلك البقعة. وفي ظل أسعار فلكية، حيث تجاوز سعر المتر في أحياء مثل الملقا حاجز العشرة آلاف ريال، أصبحت الشقق الصغيرة تُباع بأرقام باهظة، مما يحوّل حلم الاستقرار إلى عبء ثقيل يحدّ من حرية الأفراد المالية، ويضعهم في مواجهة مباشرة مع ضغوط المعيشة المستدامة.
وعلى ضفاف هذه الأسعار المرتفعة، تبرز إشكالية المساحات السكنية الصغيرة التي قد لا تصمد أمام احتياجات الأسرة مع مرور السنوات. فما يبدو اليوم شقةً أنيقة لأسرة صغيرة، قد يتحول غداً إلى مساحة ضيقة لا تمنح الخصوصية المنشودة، ناهيك عن رسوم الصيانة وتحديات السكن المشترك. وهنا تبرز المفارقة الكبرى، وهي استعداد الكثيرين للتضحية بمساحات أكبر وقيمة أفضل في أحياء الرياض الأخرى، مقابل الحصول على عنوان في الشمال. إن القرار هنا لم يعد مبنياً على الجدوى الاقتصادية أو الاحتياج الفعلي، بل تغذّيه الرغبة الجامحة في الانتماء إلى “مجتمع الشمال”، والوجاهة الاجتماعية التي يمنحها هذا الموقع، لدرجة أصبحت معها الهجرة قسرية نفسياً، مدفوعة بهاجس: “لكي يُقال ساكن بالشمال”.
ختاماً، تبقى رواية موسم الهجرة إلى الشمال مرآةً تعكس صراعات الإنسان الأبدية بين تطلعاته وواقعه. وعندما نسقط دلالاتها على خارطة الرياض العمرانية، نكتشف أن الشمال يظل رمزاً للحلم والارتقاء، لكنه حلم محمّل بتضحيات قد تفوق المكاسب في كثير من الأحيان. فهل تحقق هذه الهجرات العمرانية السعادة الحقيقية، أم أنها مجرد محطة أخرى في رحلة البحث عن المكان والذات وسط عالم يقدّس الصورة على حساب الجوهر؟
خالد المسندي
anazi_85@
عضو جمعية إعلاميون