مرحباً بكم فى جمعية اعلاميون

هل أصبح كل مصوّر ومتحدّث إعلاميًا؟

في زمن أصبحت فيه الكاميرا بيد الجميع، والكلام لا يحتاج تصريح، كثر من يطلقون على أنفسهم لقب “إعلامي”… دون شهادة، ولا تدريب، ولا أدنى شعور بالمسؤولية.

أصبحنا نرى من ينشر دون تحقق، يهاجم الأشخاص بدلًا من الأفكار، ويُروّج للمعلومات المضللة وكأنها حقائق لا تقبل النقاش. وهذا ليس له علاقة بالإعلام… بل فوضى رقمية تُفقد الناس الثقة في كل ما يُقال أو يُكتب.

الإعلام الحقيقي ليس منصة للضجيج، ولا طريقًا للشهرة السريعة. بل هو رسالة سامية قبل أن يكون وظيفة، وأمانة قبل أن يكون وسيلة للظهور.
هي مهنة لها أخلاقها، وللكلمة فيها وزنها قبل أن تُقال.

وتذكّر دائمًا: التصوير لا يصنع إعلاميًا، والكلام لا يمنحك صفة المتحدّث،
والكتابة وحدها لا تجعل منك صحفيًا… بل الوعي والمسؤولية.
الإعلام كلمة.. وحياة.. وتأثير. فلا تكن ناقل فوضى، بل صانع وعي.

ما نراه اليوم هو قفز على المهنة، وتعدٍّ على أخلاقياتها، وتشويه لمكانتها. أصبح البعض يرى الإعلام مجرّد مصدر دخل أو وسيلة ظهور، لا رسالة ولا ضمير. فتحوّل التفاعل إلى غاية، والمحتوى المثير إلى سلعة، والمهنية إلى خيار يُؤخذ أو يُترك.

في زمن الارتباك الإعلامي، تلاشت الحدود بين المهنة والادّعاء، حتى بات الهاتف الذكي يُغني عن الوعي، ويُمنح بسببه اللقب لمن لا يستحقه، بينما الحقيقة تقول غير ذلك.
الإعلام ليس عباءة فضفاضة يرتديها من شاء، بل حرفة تتفرع إلى مسارات واضحة: لكل مسار رجاله، ولكل دور ضوابطه، ولكل مهنة أدواتها، ومسؤولياتها، وحدودها. لا مهنة تُبنى على التعميم… الإعلام الحقيقي دقّة في الدور، لا ضبابية في اللقب.

من أراد أن ينتمي لهذا الميدان، فعليه أن يدرك أن هناك أخلاقيات، وقيم، وواجبات… لا مجرد ألقاب تُقال، أو متابعين يُحصَون.

الإعلام لا يبدأ بحملك للكاميرا، بل بوعيك بما تقول وتنشر. أن تملك منصة لا يعني أنك أهل للحديث باسم الحقيقة. المهنة ليست منشورًا، ولا مقطعًا، ولا ترندًا، بل موقف…وشرف… وحسّ مسؤول.

التأثير شيء، والانتشار شيء آخر. الأول يُبنى على محتوى عاقل ومسؤول، والثاني قد يُصنع من إثارة بلا مضمون. ومن الظلم أن يُساوى بين من يصرخ… ومن يُفكّر.

في الدول المتقدمة مثل بريطانيا، يُدرَّس الإعلام منذ المدرسة، ويُنظر إليه كعلم له قواعد وأخلاقيات.
أما في محيطنا، فبات الإعلام عند كثيرين فرصة اقتصادية، لا رسالة معرفية ولا مسؤولية اجتماعية.
غاب ضمير المهنة، وفتحت أبواب السبق، والتشهير، والمشاهدات.

اليوم، منصات يديرها هواة، حسابات يتصدرها غير المؤهلين، أخبار تُنشر دون تحقق، ولقطات تُضخَّم خارج سياقها. وفي وسط ذلك، تُسحق سمعات، ويُغتال الوعي، ويُصفّق للجهل… كأنه إنجاز.

والسؤال هنا: أين دورنا؟ الجمهور مسؤول عن إعادة النشر، والمؤسسات الإعلامية مطالبة بتصفية المشهد، والجامعات يجب أن تُدرّس الأخلاقيات قبل المهارات، والقانون وحده القادر على ضبط السلوك ومحاسبة المتجاوزين.

قبل أن تضغط “نشر” أو “مشاركة”، اسأل نفسك: هل هذه المعلومة مؤكدة؟ هل قد تضر أحدًا؟ هل أنتمي للمهنية… أم أساهم في الفوضى؟

لأن الإعلام ليس منصّة… بل وعي.
ليس عدد متابعين… بل أثر حقيقي.
هو التزام قبل أن يكون مهنة، وصدق قبل أن يكون ظهورًا.

المنابر لا تصنع القيم، وما يُكتب في القلوب أصدق مما يُقال على الشاشات. لأن القيمة ليست في الاسم، بل في الأثر. وليست في الكاميرا… بل في الضمير.

 

أ. عروة البلوي
‏@OrwahAlbalawi
عضو جمعية إعلاميون

شارك المقالة
جميع الحقوق محفوظه جمعية اعلاميون © 2021
الأعلىtop